سوسيولوجيا العمل النقابي في أوقات الطوارئ والازمات.. بقلم: د. سلامة أبو زعيتر

يمثل فهم الحقل العمالي والتنظيم النقابي ضرورة سوسيولوجية وأخلاقية تتجاوز مجرد الرصد الإحصائي لظروف العمل أو المطالبات المادية المباشرة، ليكون المدخل الرئيسي لفهم كيفية تشكل المجتمع وتوازنه التنموي، ومن هذا المنطلق، تبدأ رحلتنا الفكرية في تفكيك واقع العمل السوسيولوجي بالعودة إلى الأصول النظرية التي أسست لهذا الحقل، محاولين استكشاف سيرورة تطورها من العصر الصناعي الأول وصولاً إلى العصر الرقمي والتقني الحديث، للوقوف على مدى قدرتها التفسيرية لواقعنا المعيش.

لقد انطلقت الرؤى الكلاسيكية لعلماء الاجتماع أساساً من محاولة فهم وتفكيك التحولات العميقة التي أحدثتها الثورة الصناعية الأولى وتأثير الرأسمالية على بنية العلاقات الإنسانية والاجتماعية؛ حيث ركز كارل ماركس في مقاربته الصراعية على مفهوم الاغتراب، مبيناً كيف يفقد العامل صلته الإنسانية بناتج عمله وبعملية الإنتاج نفسها ليتحول إلى مجرد ترس في آلة رأسمالية متغولة، متصوراً العمل كساحة أساسية للصراع الطبقي، والنقابة كأداة تنظيمية لتطوير الوعي بالذات لدى العمال للانتقال من “طبقة في ذاتها” إلى “طبقة لذاتها”، وهو ما قد يؤسس لانتصار الطبقة العاملة لمصالحها ومواجهة التغول الرأسمالي بالثورة والتغيير.

وفي المقابل، سلط ماكس فيبر الضوء على عقلنة المجتمع ونشوء البيروقراطية كأداة تنظيمية حتمية للمؤسسات الحديثة، لكنه حذر في الوقت نفسه من قيود القفص الحديدي للبيروقراطية الذي يجرد العلاقات من طابعها الإنساني لتسيطر عليها المصالح والمنافع؛ وهو ما ينعكس جلياً في عصرنا الحالي من خلال ترهل بعض التنظيمات النقابية والسياسية وتحولها إلى أدوات ضبط وسيطرة ترفض التغيير لتحافظ على مصالحها بدلاً من أن تكون أدوات للتغيير والتحرر.

أما إيميل دوركهايم، فقد نظر إلى تقسيم العمل الاجتماعي كآلية رئيسية لخلق التضامن العضوي” في المجتمعات الحديثة، معتبراً أن غياب القواعد الأخلاقية والاجتماعية المنظمة للعمل النقابي ينحدر بالمجتمع نحو حالة من الأنومي” أو اللامعيارية التي تفقد الجماعات توازنها الأخلاقي، فتصُبح إدارة عملها محكومة بالمصالح الضيقة للفئة المسيطرة مع تغييب النظام والقانون الناظم والضابط؛ وهو ما يؤسس لفوضى عمل نقابي تخدم أفراداً على حساب مصالح الطبقة العاملة ككل.

ومع تحول المجتمعات الغربية نحو الرأسمالية المتقدمة واقتصاد الخدمات ثم الثورة الرقمية، شهدت التفسيرات السوسيولوجية للفعل الاحتجاجي والتنظيم العمالي تطوراً ملحوظاً؛ إذ ظهرت نظرية تعبئة الموارد لتؤكد أن نجاح أي حركة احتجاجية أو نقابية لا يتوقف فقط على حجم المظلمة أو الشعور بالحرمان، بل يعتمد بالأساس على القدرة التنظيمية على الحشد وتعبئة الموارد المادية والإعلامية والبشرية لصالح القضية والتأثير والضغط لتحقيق الأهداف المنشودة.

وفي السياق ذاته، جاءت أطروحات الحركات الاجتماعية الجديدة لتعلن تجاوز الاحتجاجات المعاصرة للمفهوم الطبقي الضيق المحصور في العمال والمصنع، لتتسع وتشمل قضايا الهوية، ونوعية الحياة، والحريات، والجندر، والديمقراطية التشاركية، والتفاعل مع القضايا المجتمعية والحقوقية، واليوم، نجد أن التكنولوجيا الحديثة قد أعادت إنتاج التيلرية الكلاسيكية القائمة على الرقابة الصارمة وتنميط الحركة ولكن بقوالب رقمية مستحدثة؛ حيث يخضع موظفو المنصات والعمل عن بُعد لرقابة خوارزمية مشددة تحرمهم من التواصل الإنساني والتنظيم النقابي التقليدي، مما ولد أنماطاً احتجاجية افتراضية وشبكية جديدة تماماً، وهو ما يفرض واقعاً يستحق تدخلات نقابية متطورة تقوم على الرقمنة والتأثير في العالم الافتراضي بما يحقق مصالح هذه الفئات وينظم واقعهم بعدالة.

غير أن محاولة إسقاط هذه الترسانة النظرية بشقيها الكلاسيكي والمعاصر على واقع الحقل النقابي والعمالي العربي والفلسطيني — وخاصة في قطاع غزة — تصطدم بقصور بنيوي حاد في هذه النماذج؛ فهي قد صُممت بافتراض وجود دولة مستقلة، ومؤسسات مستقرة، وسوق عمل طبيعي يخضع لقوانين العرض والطلب وحرية الحركة، بينما يجري العمل في فلسطين داخل بيئة مشوهة بنيوياً بضغط الاحتلال، والحصار، والانقسام، والحروب الممتدة، وتدمير المنشآت الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، ومن هنا، تنبع الحاجة الماسّة للتأصيل لمفهوم جديد نسميه سوسيولوجيا العمل النقابي في الأزمات؛ حيث لا يعود العمل مجرد وسيلة لسبل العيش، بل يتحول إلى أداة للصمود والبقاء المجتمعي، ويصبح الفعل النقابي مطالباً بابتكار أدوات تفوق في كفاحيتها مفهوم الإضراب التقليدي لتصل إلى صياغة استراتيجيات حماية شاملة تمنع تحلل رأس المال الاجتماعي وتصون الهوية الوطنية للطبقة العاملة.

إن هذا المسح النظري يوضح أن فهم آليات الاحتجاج والتنظيم النقابي يتطلب حواراً نقدياً مستمراً مع التراث السوسيولوجي العالمي دون الوقوع في فخ التبعية المعرفية له؛ فالمفاهيم الكلاسيكية عن الاغتراب والبيروقراطية لا تزال حية ولكنها تكتسب في فضاء الأزمة الفلسطيني ملامح أكثر قسوة وتعقيداً، وهو ما يفتح الباب واسعاً في مقالاتنا القادمة لنحت وتأصيل مفاهيمنا الخاصة كـ إبداع الضرورة” و”متلازمة الموظف المهدد”، كإسهام أصيل من واقعنا المعيش لإثراء علم الاجتماع العربي والكوني.

وبناءً على هذا التحليل، نخلص إلى أن النظريات الغربية تعجز عن الإحاطة بالواقع الفلسطيني لإغفالها التداخل العضوي بين الاضطهاد الطبقي الاقتصادي والاضطهاد الاستعماري المركب؛ كما أن تغلغل الرقابة الرقمية يفرض على النقابات التخلي عن الخطاب الكلاسيكي التقليدي، وابتكار نماذج نضالية غير تقليدية تحقق الأهداف دون المساس بالمصالح أو إضعافها؛ فالإضراب اليوم في ظل واقع غزة المشوه قد لا يجد أذناً صاغية له، بينما استخدام وسائل جديدة للضغط والتأثير تتناسب مع الواقع قد يحقق مكاسب وإنجازات لصالح قضايا الموظفين والعمال، وهو ما يُعرف بالعمل النقابي المبدع القائم على التفكير المنهجي وغير التقليدي المكتشف بفكر خارج الصندوق والملائم للواقع المعاش.

لذا، أصبح من الضرورات في هذه المرحلة التركيز على البحث العلمي الميداني والواقع وسياقه للانطلاق نحو النهوض بالعمل النقابي، وعليه نوصي الباحثين والأكاديميين في الجامعات بضرورة “توطين علم اجتماع العمل” والتوقف عن النقل الحرفي للنظريات والتجارب الدولية، والتركيز على دراسات ميدانية تفسر ظواهر الصمود واقتصاد الطوارئ تحت الحصار وتجربتنا في قطاع غزة والاستفادة من النظريات ما يخدم والواقع، مع دعوة الاتحادات النقابية والنقابات القطاعية إلى تبني مقاربة شاملة لتعبئة الموارد تتضمن تطوير مهاراتها في الإدارة الرقمية، والقيادة الحديثة، والتوثيق القانوني والإعلامي لضمان إدارة معاركها المطلبية بنجاعة وكفاءة في عالم دائم التغير.

الخلاصة:

إن النظريات السوسيولوجية وتراكمها المعرفي تمثل حجر الزاوية لأي فهم منهجي لحقل العمل والتنظيم العمالي، غير أن اختبارها الحقيقي يكمن في مدى قدرتها على الاشتباك مع الخصوصية البنيوية للميدان؛ فالواقع المعقد لقطاع غزة وفلسطين لا يستنسخ النماذج الغربية او العربية بقدر ما يعيد صياغتها تحت ضغط الأزمات المركبة.

إن الرسالة الجوهرية لهذا التأسيس النظري تؤكد أن الفعل النقابي الناجع في أوقات الطوارئ يتطلب الانتقال من الأطر التقليدية والاحتجاج الصامت إلى “إبداع الضرورة”، عبر أدوات مرنة تتوازن فيها المرجعية المعرفية مع الفهم الميداني الواعي، للتحول بالعمل النقابي من مجرد أداة مطلبية إلى إستراتيجية صمود تتصدى لتفكك المجتمع، وتحمي الحقوق، وتصون الكرامة والوجود الوطني للطبقة العاملة.

Dr. Salama .M.S. Abu Zuaiter
00970599855225
0097082456626
0097082882133
skype/ salamapgftu2005

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com