الانتخابات الفلسطينية بين ضوضاء الترتيب وأولوية إنقاذ الشرعية.. بقلم: شريف الهركلي

عاد الجدل السياسي الفلسطيني إلى الواجهة مجددًا بعد تصريح عضو اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب، الذي أكد ضرورة الذهاب إلى انتخابات رئاسية أولًا ثم انتخابات تشريعية، انطلاقًا من أن النظام السياسي الفلسطيني نظام رئاسي وليس نظامًا نيابيًا. وجاء هذا التصريح في أعقاب إصدار الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسومين رئاسيين جديدين؛ الأول، المرسوم الرئاسي رقم (4)، الذي حدد موعد إجراء انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، والثاني، المرسوم الرئاسي رقم (5)، الذي حدد عدد الأعضاء المسيحيين في المجلس التشريعي القادم بعشرين عضوًا.
هذه التطورات أعادت النقاش حول ترتيب الأولويات الوطنية، وأثارت تساؤلات سياسية وقانونية وشعبية حول المسار الأنسب لتجديد الشرعيات الفلسطينية. فهل تبدأ عملية التجديد بانتخاب رئيس جديد للسلطة الفلسطينية، أم بانتخاب مجلس تشريعي جديد؟ وهل تكمن المشكلة فعلًا في ترتيب الانتخابات، أم في غياب رؤية وطنية شاملة قادرة على استعادة ثقة المواطن الفلسطيني بمؤسساته السياسية؟
لقد أصبح المواطن الفلسطيني، المثقل بالأزمات الوطنية والاقتصادية والاجتماعية، ينظر إلى هذا الجدل بكثير من الحذر والريبة. فبعد سنوات طويلة من الانقسام السياسي وتعطل الحياة الديمقراطية، لم يعد المواطن يبحث فقط عن موعد للانتخابات أو عن صندوق اقتراع، بل عن نتائج حقيقية تلامس حياته اليومية وتعزز شعوره بالمشاركة والانتماء والقدرة على التأثير في القرار الوطني.
وفي خضم ضوضاء التصريحات والمواقف المتباينة، يبرز سؤال جوهري: ما الهدف من الانتخابات؟ هل هي مجرد استحقاق دستوري لتجديد المؤسسات، أم أنها مدخل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس من الشراكة والتمثيل والعدالة السياسية؟ إن الانتخابات تفقد الكثير من قيمتها عندما تتحول إلى هدف بحد ذاته، بينما تكمن أهميتها الحقيقية في قدرتها على إنتاج شرعيات قوية وقادرة على مواجهة التحديات الوطنية.
إن الشعب الفلسطيني لا يبحث عن تغيير أسماء أو إعادة توزيع مواقع ومناصب، بل يبحث عن قيادة وطنية تمتلك مشروعًا سياسيًا واضحًا، وتستطيع الدفاع عن حقوقه الوطنية، وحماية وحدته الداخلية، وتعزيز صموده في مواجهة الاحتلال والتحديات المتفاقمة. فالوطن الذي يمر بمنعطفات تاريخية خطيرة يحتاج إلى مؤسسات قوية وشرعيات متجددة تستمد قوتها من الإرادة الشعبية الحرة.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه البعض بترتيب الانتخابات الرئاسية أو التشريعية، تبدو الحقوق الوطنية الفلسطينية أحيانًا وكأنها إبرة في كومة قش من الخلافات التنظيمية والفصائلية. فالمواطن الذي ينتظر تحسين ظروف حياته وتعزيز حضوره في صناعة القرار الوطني لا يعنيه كثيرًا أي الاستحقاقات يسبق الآخر، بقدر ما يعنيه أن تؤدي هذه العملية إلى إصلاح حقيقي وملموس في بنية النظام السياسي الفلسطيني.
غير أن الحديث عن الشرعية لا يمكن أن يقتصر على مؤسسة الرئاسة أو المجلس التشريعي فقط، بل يجب أن يشمل أيضًا منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني والمرجعية الوطنية الجامعة. فالمنظمة كانت على مدار عقود عنوانًا للوحدة الوطنية وحاضنة للقرار الفلسطيني المستقل، وشكلت الإطار الذي حفظ الهوية الوطنية الفلسطينية في مختلف مراحل النضال.
ومن هنا، فإن إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وتطوير مؤسساتها وتجديد بنيتها الديمقراطية يمثل ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن إجراء الانتخابات نفسها. فصلاح المنظمة هو صلاح البيت الفلسطيني، وقوتها من قوة المشروع الوطني، وضعفها ينعكس على مجمل مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني. لذلك فإن أي حديث عن تجديد الشرعيات يجب أن يترافق مع رؤية إصلاحية شاملة تعيد الاعتبار لدور المنظمة ومكانتها الوطنية.
إن تجديد الشرعية الفلسطينية لا يتحقق فقط عبر صناديق الاقتراع، بل من خلال بناء عقد وطني جديد يقوم على الشراكة السياسية واحترام التعددية وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الفصائلية الضيقة. فالشرعية الحقيقية ليست مجرد نصوص قانونية أو إجراءات انتخابية، بل علاقة ثقة متبادلة بين الشعب ومؤسساته الوطنية.
اليوم، وبين ضوضاء النقاش حول أولوية الرئاسة أو التشريع، يبقى المواطن الفلسطيني هو البوصلة الحقيقية لأي عملية ديمقراطية. فإذا كانت الانتخابات طريقًا لإنقاذ الشرعية وتجديد المشروع الوطني، فإن نجاحها يقاس بقدرتها على إعادة الأمل للمواطن الفلسطيني، وتعزيز وحدته الوطنية، واستعادة الثقة بمؤسساته، وترسيخ مبدأ أن السلطة والشرعية تنبعان من إرادة الشعب.
ففلسطين بحاجة إلى ما هو أبعد من مجرد ترتيب للاستحقاقات الانتخابية؛ إنها بحاجة إلى رؤية وطنية جامعة تعيد بناء البيت الفلسطيني، وتوحد مؤسساته، وتجدد شرعياته، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الاحتكام إلى إرادة الشعب مدخلًا للوحدة الوطنية والتعافي السياسي، لا سببًا جديدًا للخلاف والانقسام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com