هل تفوز الدكاكين على السوبرماركت التنظيمية؟.. بقلم: شريف الهركلي

قبل الحرب وبعدها، تعيش الفصائل الفلسطينية حالةً من التخبط والتيه السياسي والتنظيمي، في ظل تراجع كثير من المفاهيم والشعارات التي رفعتها لعقود طويلة في برامجها الوطنية. ومع كل استحقاق سياسي جديد، يعود السؤال ذاته ليفرض نفسه بإلحاح: أين يكمن الخلل؟ وهل يمكن معالجة الأخطاء المتراكمة بإنتاج أخطاء جديدة، أم أن المطلوب مراجعة شاملة تعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني؟
إذا جاز لنا استخدام لغة المجاز، فإن الفصائل الفلسطينية تشبه “السوبرماركت” الكبير؛ حيث تتجاور داخله الخبرة والإخفاق، والتاريخ والواقع، والإنجاز والتراجع. غير أن هذه المؤسسات التنظيمية الكبيرة أصبحت تعاني في السنوات الأخيرة من أزمة ثقة متفاقمة، بعدما تراكم الغبار على كثير من برامجها، وتراجعت فاعلية أدواتها السياسية والتنظيمية، حتى بات المواطن الفلسطيني يشعر بأن المسافة بينه وبين هذه الأطر تزداد اتساعًا يومًا بعد يوم.
ولعل ما يزيد من خطورة المشهد أن الأزمة لم تعد أزمة فصائل فحسب، بل أصبحت أزمة نظام سياسي كامل يحتاج إلى مراجعة عميقة لآليات عمله ومؤسساته وأدواته. فالمشكلة ليست في وجود التنظيمات الوطنية، بل في قدرتها على التجدد واستيعاب التحولات وإعادة إنتاج قيادات وبرامج تستجيب لتحديات المرحلة.
وفي هذا السياق، تكتسب مقولة الإعلامي الفلسطيني د. ناصر اللحام دلالة خاصة حين قال: “الشعب الفلسطيني يستحق فرصة أخرى، وليس التنظيمات الفلسطينية.” وهي عبارة تحمل في طياتها الكثير من النقد والألم، وتعكس حجم الفجوة المتزايدة بين المواطن والمؤسسات السياسية التي يفترض أن تمثله.
ومع دق طبول الانتخابات الفلسطينية، بدأت تظهر على الساحة حراكات وأحزاب ومبادرات جديدة تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها بديلاً عن الأطر التقليدية. ويمكن تشبيه هذه التشكيلات بـ”الدكاكين السياسية” التي تعرض بضائع جديدة وتحاول استقطاب كوادر من مختلف الانتماءات، مستفيدة من حالة الإحباط الشعبي والرغبة في التغيير.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل تستطيع هذه الدكاكين التنظيمية أن تصبح بديلاً حقيقيًا؟ أم أنها مجرد انعكاس لأزمة قائمة، وقد تتحول مع الوقت إلى نسخة مصغرة من المشكلات ذاتها التي تنتقدها اليوم؟
ولعل ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي يلخص جوهر المعضلة:
إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا
فالسياسة بلا قيم، والتنظيم بلا مراجعة، والمؤسسة بلا تجديد، تتحول مع الزمن إلى هياكل جامدة تفقد قدرتها على الإقناع والتأثير، مهما كان تاريخها أو حجمها.
ومن الناحية الفلسفية، لا تُقاس قيمة التنظيم بحجمه، بل بقدرته على إنتاج المعنى والفعل. فالدكان الصغير قد ينجح إذا امتلك رؤية واضحة ومشروعًا وطنيًا جادًا، كما أن السوبرماركت الكبير قد يفشل إذا فقد الثقة والمصداقية. لكن الواقع الفلسطيني لا يحتمل مزيدًا من التشظي والانقسام، ولا يحتاج إلى تكاثر اللافتات السياسية بقدر حاجته إلى إعادة بناء البيت الوطني الجامع.
لذلك، فإن الأولوية اليوم ليست في إنشاء المزيد من الدكاكين السياسية، بل في إصلاح وتطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية والفصائل كافة، وإعادة تفعيل الحياة الديمقراطية من خلال برلمان فاعل وحوار وطني شامل يعيد توجيه البوصلة نحو المشروع الوطني الجامع.
فالقضية الفلسطينية أكبر من تنظيم، وأوسع من حزب، وأعمق من انتخابات. وما يحتاجه الفلسطينيون اليوم ليس تغيير الواجهات أو استبدال الأسماء، بل تجديد الرؤية الوطنية، واستعادة الثقة بين الشعب ومؤسساته، وبناء شراكة سياسية حقيقية قادرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
وعندها فقط، لن يكون السؤال: هل تفوز الدكاكين على السوبرماركت التنظيمية؟ بل: كيف ينتصر الوطن على أزماته، وكيف تستعيد السياسة معناها بوصفها أداة لخدمة الشعب لا وسيلة للتنافس عليه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com