ثقب الأمل في جدار غزة… بقلم أ.محمد معين الكفارنة

غزة ليست مدينةً تنتظر النهاية، بل روحٌ تُحاول أن تكتب خاتمةً مختلفة، فالناس فيها لا يحلمون بالمستحيل بل بالحياة البسيطة التي سُرقت منهم نافذةٍ تُطل على أمان، مدرسةٍ بلا قلق، وسماءٍ لا تُسقط النار ، شغفهم نبضٌ يوميّ يُبقيهم واقفين على حافة الرجاء أن يزول كابوس ليلة بلا ملامح، يكون فيها الصمت أثقل من الضجيج. تجلس أمٌّ غزيّة عند مدخل خيمتها تُحدّق في السماء، لم تكن تبحث عن نجمةٍ تائهة بل عن إشارةٍ صغيرة تُطمئن قلبها أن هذا الليل ليس أبديًا، إلى جوارها طفلها ينام على وسادةٍ من تعب، يحتضن دفتراً مدرسياً كأنّه يتمسّك بحلمٍ لا يريد أن يفلت منه.
قالت له قبل أن يغفو: “غدًا ستعود مدرستك أجمل”.
لم تكن تكذب كانت تُقاوم وتعافر قسوة الحياة التي تحياها غزة التي في مآتمها تدور ، ما بين جوعي في الحياة وعطشى في القبور ، في غزة لا تُروى الحكايات كما في المدن الآمنة؛ لأن القصة تبدأ بصوت انفجار، وتمضي بين دمعٍ وصبر، وتنتهي دائمًا بومضة أملٍ عنيدة، في كل زقاقٍ حكاية، وفي كل بيتٍ ذاكرة، وفي كل قلبٍ معركةٌ صامتة بين الخوف والرجاء ، هناك شابٌّ يقف على ركام بيته لا ليعدّ خسائره بل ليقيس المسافة بينه وبين بدايةٍ جديدة، وهناك فتاةٌ تكتب على ضوء هاتفٍ ضعيف “سنعيش رغم كل شيء” كأنها تُعلن تحدّيها للظلام ، وهناك شيخٌ يرفع يديه إلى السماء لا يسأل كثيرًا بل يهمس: “حسبنا أن ينتهي هذا الكابوس”.
إن كابوس هذه الحرب لا ينتهي بالدعاء وحده بل بشغف الناس الذين يرفضون أن يكونوا ضحايا إلى الأبد في الخيام وبين الركام حيث ضاقت الأرض واتسعت القلوب، يتقاسم الناس الخبز والحكايات، ويصنعون من الفقد ألف سببٍ للاستمرار ، هنا تتحول التفاصيل الصغيرة إلى بطولات وحكايات فريدة ، كوب شاي ساخن في برد الليل، كتابٌ يُفتح رغم الخوف، ضحكةٌ تُولد من قلب الألم، هكذا تمضي الحكاية في غزة لا كقصةِ حربٍ فقط بل كحكايةِ أملٍ يُكتب كل يوم، وشغفٍ لا يتعب من انتظار لحظة الخلاص ، فهناك بين خيمةٍ وركام يولد اليقين بأن الكابوس سيزول ، وأن الحياة مهما تأخرت لا بد أن تعود، ومع كل فجرٍ يتسلّل خجولًا بين الغيوم تُولد قناعةٌ جديدة عند الغزيين أن الليل مهما طال لا يستطيع أن يُقنع الشمس ألا تشرق ، وأن هذا الشعب الذي تعلّم كيف يصنع من الألم معنى لن يسمح للحرب أن تسرق روحه.



