لماذا أنشأت السلطة الفلسطينية دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى أصلًا؟

نضال احمد جابر جودة
لو كان تحويل المريض للعلاج خارج قطاع غزة ينتهي بقرار لجنة طبية أو برسالة تنسيق، لما أنشأت السلطة الفلسطينية، منذ باكورة تأسيسها، دائرة للعلاج بالخارج، ولا دائرة لتنسيق وارتباط المرضى. فالمؤسسات لا تُنشأ عبثًا، ولا تستحدث الوظائف والاختصاصات من باب الترف الإداري، وإنما تنشأ عندما تكشف الممارسة العملية عن احتياج لا يمكن تلبيته إلا من خلال مؤسسة متخصصة، تمتلك الصلاحية، والخبرة، والإجراءات، والقدرة على إدارة العمل بصورة مستدامة.
ومن هنا يبرز السؤال: لماذا رأت السلطة الفلسطينية ضرورة إنشاء هاتين الدائرتين إذا كانت اللجنة الطبية قادرة على اتخاذ القرار، وكانت جهات أخرى تستطيع القيام بأعمال التنسيق؟
تكمن الإجابة في أن القرار الطبي ليس سوى بداية رحلة المريض، وليس نهايتها. فاللجنة الطبية تؤدي وظيفة علمية تتمثل في تحديد الحاجة إلى العلاج خارج قطاع غزة، لكنها لا تدير ملف المريض، ولا تتحمل مسؤولية تحويل ذلك القرار إلى خدمة علاجية متكاملة. فبعد صدور القرار تبدأ مرحلة أكثر تعقيدًا، وهي المرحلة التي من أجلها أُنشئت دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى.
فدائرة العلاج بالخارج لا تستلم ورقة وتحيلها إلى جهة أخرى، وإنما تبدأ بمراجعة الملف الطبي، والتأكد من اكتمال التقارير والفحوصات، واستكمال أي نقص، وترتيب الوثائق، وتحديد أولوية الحالة، وإصدار التغطية المالية، واختيار جهة العلاج المناسبة، وإعداد المراسلات الرسمية، وتوثيق الملف داخل قاعدة البيانات، وحفظ جميع الإجراءات التي تمت عليه. وهذه الأعمال ليست تفاصيل إدارية هامشية، بل هي الضمانة التي تحول القرار الطبي إلى حق علاجي قابل للتنفيذ.
وعندما تنتهي هذه المرحلة، تبدأ دائرة تنسيق وارتباط المرضى أداء دور مختلف لا يقل أهمية. فالتنسيق لا يعني إرسال قائمة بأسماء المرضى، وإنما إدارة رحلة المريض منذ لحظة إرسال ملفه وحتى وصوله إلى المؤسسة العلاجية. فالدائرة تتابع استلام الملف، وتعالج أي ملاحظات، وتستكمل الوثائق الناقصة، وتصوب الأخطاء في البيانات، وتتابع الموافقات، وتتواصل مع المستشفيات، وتعمل على تثبيت المواعيد، وتتابع الحالات المستعجلة، وتنسق إجراءات سفر المريض ومرافقه، وتبقى على تواصل مع ذويه حتى وصوله إلى وجهته العلاجية.
ولعل أفضل طريقة لفهم أهمية هاتين الدائرتين هي أن نتخيل طفلًا مصابًا بسرطان الدم صدر بحقه قرار بالعلاج خارج قطاع غزة، ثم اكتُشف أن التقرير الطبي بحاجة إلى تحديث، أو أن هناك خطأ في البيانات الشخصية، أو أن المستشفى المستقبل طلب فحصًا إضافيًا، أو أن الموعد المحدد تأجل، أو أن الحالة الصحية تدهورت وأصبحت تحتاج إلى تقديم موعد العلاج. من الذي سيتابع كل ذلك؟ ومن الذي سيعيد إرسال الملف؟ ومن الذي سيخاطب المستشفى؟ ومن الذي سيبلغ الأسرة؟ ومن الذي سيظل مسؤولًا عن الملف حتى يصل الطفل إلى سرير العلاج؟
إن هذه المهام ليست من اختصاص اللجنة الطبية، كما أنها ليست من طبيعة عمل أي جهة إنسانية أو لجنة مؤقتة، وإنما هي جوهر العمل اليومي الذي أنشئت من أجله دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى.
لقد فرضت الحرب ظروفًا استثنائية استدعت ظهور بدائل إحلالية، من بينها اللجان الطبية التي تعقد في مستشفى ناصر، إضافة إلى اضطلاع منظمة الصحة العالمية بجزء من أعمال التنسيق. ولا يمكن إنكار أن هذه الجهات بذلت جهودًا مهمة في الاستجابة لواقع إنساني شديد التعقيد، غير أن نجاحها في إدارة جانب من الأزمة لا يعني أنها تستطيع أن تحل محل المؤسسة الحكومية التي أنشئت أصلًا لإدارة هذا الملف بصورة دائمة.
فالبديل الإحلالي يستجيب لظرف استثنائي، أما المؤسسة الحكومية فتدير حقًا دائمًا. والبديل يؤدي مهمة محددة، بينما تدير المؤسسة سلسلة مترابطة من الإجراءات تبدأ بالقرار الطبي ولا تنتهي إلا بوصول المريض إلى العلاج ومتابعة ملفه. والبديل يعتمد في كثير من الأحيان على اجتهاد الأشخاص، أما المؤسسة فتعتمد على أدلة إجراءات، وقواعد بيانات، وسجلات رسمية، وتسلسل واضح للمسؤوليات، بما يضمن استمرارية الخدمة حتى مع تغير العاملين.
ولهذا جاء إعداد دليل إجراءات دائرة تنسيق وارتباط المرضى ليترجم هذه الفلسفة المؤسسية إلى واقع عملي. فالدليل لا يحدد فقط من يقوم بالمهمة، بل يحدد كيف تُنجز، وما الوثائق المطلوبة، ومن المسؤول عن كل خطوة، وكيف تُعالج الحالات الاستثنائية، وكيف يُقاس الأداء، وبذلك تتحول الخدمة من اجتهادات فردية إلى منظومة مؤسسية يمكن تطويرها ومحاسبتها وضمان استمراريتها.
إن المفاضلة الحقيقية ليست بين اللجنة الطبية ودائرة العلاج بالخارج، ولا بين منظمة الصحة العالمية ودائرة تنسيق وارتباط المرضى، لأن لكل منها وظيفة مختلفة. وإنما المفاضلة هي بين إدارة تعتمد على مؤسسات حكومية ذات ولاية واختصاص وتراكم إداري، وبين إدارة تعتمد على حلول مؤقتة فرضتها ظروف استثنائية. فالأولى تبني نظامًا يحفظ حق المريض جيلاً بعد جيل، بينما تؤدي الثانية دورًا مهمًا لكنه يظل مرتبطًا بالظرف الذي أوجدها.
ولذلك، فإن السؤال الصحيح ليس: هل نجحت البدائل الإحلالية في إنجاز بعض المهام؟ بل: هل تستطيع أن تحل محل مؤسسات أنشأتها السلطة الفلسطينية منذ بداياتها لأنها أدركت أن ملف العلاج بالخارج لا يُدار بقرار طبي وحده، ولا برسالة تنسيق، وإنما بمنظومة مؤسسية متكاملة تحمي حق المريض من لحظة تشخيصه حتى لحظة تلقيه العلاج؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تفسر لماذا أنشأت السلطة الفلسطينية دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى أصلًا، ولماذا يبقى الحفاظ عليهما وتطويرهما ضرورة إدارية ووطنية، ليس دفاعًا عن مؤسسة، بل دفاعًا عن حق كل مريض في رحلة علاجية آمنة، عادلة، ومنظمة.



