علاقة الحسابات الانتخابية بالمراحل المختلفة.. اياد جوده

منذ بداية مسار التفاوض، بقيت الشكوك تحيط بإمكانية الانتقال من مرحلة إلى أخرى في أي اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين. فكل جولة كانت تصطدم بعوامل سياسية داخلية تجعل الالتزام الكامل بالاتفاقات أكثر تعقيدا من مجرد التوقيع عليها. انا ارى أن الحكومة الإسرائيلية لا تبدو متحمسة للمضي قدما في المرحلة الثانية من أي اتفاق، وأنها تفضل إبقاء الأمور في إطار التفاهمات المحدودة التي تحقق لها هامشا أوسع من المناورة السياسية والعسكرية ويمكنني ان استند الى هذا الرأي بسبب أن المرحلة الثانية غالبا ما تتضمن استحقاقات أكثر حساسية، مثل ترتيبات طويلة الأمد أو انسحابات أو تفاهمات أمنية وسياسية يصعب تمريرها داخل الائتلاف الحاكم.
أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه معادلة سياسية معقدة إذ يعتمد بقاؤه في السلطة على توازنات دقيقة داخل حكومته حيث تعارض بعض الأحزاب اليمينية تقديم أي تنازلات يمكن تفسيرها على أنها خطوة نحو تسوية سياسية ومن هذا المنطلق يصبح تأجيل المرحلة الثانية أو إعادة التفاوض بشأنها خيارا يمنح الحكومة وقتا إضافيا ويؤجل المواجهة مع شركائها السياسيين.
واضيف انه من الصعب فصل السياسة الداخلية عن القرارات المتعلقة بالمفاوضات خاصة في إسرائيل حيث تلعب الانتخابات والائتلافات الحكومية دورا محوريا في رسم السياسات فقد أظهرت تجارب سابقة أن الحكومات الإسرائيلية كثيرا ما أعادت النظر في التزاماتها عندما واجهت ضغوطا داخلية أو تغيرت موازين القوى السياسية.
كما أن الرأي العام الإسرائيلي نفسه ليس موحدا تجاه الاتفاقات مع الفلسطينيين ما يزيد من تعقيد أي قرار يتعلق بالمراحل اللاحقة وفي ظل هذه الانقسامات تصبح كل خطوة تفاوضية محل جدل داخلي قبل أن تكون محل نقاش مع الطرف الفلسطيني واعتقد أن نتنياهو يدرك أن أي اتفاق شامل قد يفتح بابا لانتقادات حادة من خصومه وحلفائه على حد سواء لذلك فإن إطالة أمد التفاوض قد تكون وسيلة لإدارة الأزمة بدلا من حسمها كما تمنح هذه الاستراتيجية الحكومة فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها وفق المتغيرات الإقليمية والدولية كما انه لا يمكن تجاهل تأثير الضغوط الأمريكية والدولية التي تدفع أحيانا نحو استكمال الاتفاقات، لكنها لا تضمن تنفيذها بالكامل. ففي النهاية يبقى القرار مرتبطا بحسابات القيادة السياسية الإسرائيلية وموازين القوى داخلها.
ان المصلحة الانتخابية لنتنياهو قد لا تتوافق مع تنفيذ مرحلة تحمل التزامات سياسية كبيرة حيث أن استمرار الوضع القائم قد يكون أقل تكلفة سياسيا من الدخول في استحقاقات جديدة وهذا لا يجب ان يكون خافيا على قيادة مجلس السلام ولا يمكن او من المفترض ان لا تجعل نتنياهو يستمر في لعبته التي عنوانها عدم تنفيذ أي مرحلة كما انه مسئول مجلس السلام بات من واجبه ان يشير الى إسرائيل بشكل علني كونها هي من يعرقل تنفيذ قرار مجلس الامن القاضي بالانسحاب ودخول لجنة التكنوقراط.
وفي النهاية فإن نجاح أي اتفاق لا يتوقف على النصوص الموقعة فقط، بل على وجود إرادة سياسية حقيقية لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه وما دامت الحسابات الداخلية تطغى على الاعتبارات الأخرى، فإن احتمالات التعثر ستظل قائمة، وستبقى كل مرحلة جديدة رهينة للتوازنات السياسية أكثر من كونها استحقاقا تفاوضيا
* الكاتب والمحلل السياسي



