كانَ طفلًا قرويًّا … نص بقلم د. عبدالرحيم جاموس

كانَ طفلًا قرويًّا..
يأكلُ الخبزَ
من كفِّ أمِّه،
ولحمَ الطيرِ
حينَ يجيءُ موسمُ الخير،
ويشربُ ماءَ الغيمِ
نازلًا من السماء،
نقيًّا
كنقاءِ قلبِه..
كانَ يركضُ في الحقول،
ويملأُ الصباحَ ضحكًا،
يطاردُ الفراشاتِ
بينَ الزهرِ والسنابل،
ويُصغي إلى العصافير
كأنَّها تعرفُ
ما لا يعرفُهُ الكبار..
كانَ يعرفُ شجرةَ التينِ
من ظلِّها،
والزيتونةَ
من رائحةِ ترابِها،
ويعرفُ أنَّ للترابِ
ذاكرةً لا تموت،
وأنَّ للمطرِ
أغنيةً سرّيةً
لا يسمعُها
إلّا من أحبَّ الأرض..
وفي الصباحِ
كانَ يحملُ حقيبتَهُ الصغيرة،
ويمضي إلى المدرسة،
وفي رأسِه
سماءٌ من الأسئلة،
وفي قلبِه
قريةٌ كاملة..
كانَ يحلمُ أن يكبر..
ولم يكن يعرفُ
أنَّ الكِبَرَ
ليسَ طولَ القامة،
ولا قوّةَ الساعد،
وأنَّ الحياةَ
قد تنتزعُ من القلبِ
أشياءَ كثيرة،
قبلَ أن تُعلِّمَهُ
كيفَ يحمي ما تبقّى..
كبرَ الطفلُ..
اشتدَّ عودُه،
واتَّسعتْ خطوتُه،
وصارَ يرى أبعدَ
من آخرِ الحقل..
رأى العالمَ
كما لم يرهُ من قبل..
رأى خبزًا
لا يصلُ إلى أفواهِ الجائعين،
وماءً
تُغلقُ دونهُ الأبواب،
وأطفالًا
تسكنُ في عيونِهم
أسئلةُ الطفولة،
لكنهم لا يحملونَ
حقائبَ المدرسة..
رأى بيوتًا
كانت تفيضُ بأهلِها،
فأصبحتْ تحتَ الركام
تبحثُ عن أسماءِ أصحابِها..
رأى أشجارًا
كانت تحفظُ خطى العابرين،
فصارَ ظلُّها
وحيدًا..
وعندها
فهمَ..
أنَّ الوطنَ
ليسَ كلمةً في كتاب،
ولا رايةً فوقَ مبنى،
ولا حدودًا على خارطة..
الوطنُ
أمٌّ تنتظرُ ابنَها،
وأبٌ يفتحُ البابَ
عندَ المساء،
وطفلٌ يعودُ من المدرسة
وفي حقيبتِه
كتابٌ ورغيفٌ وحلم..
الوطنُ
زيتونةٌ لا تُقتلع،
وحقلٌ لا يُحرق،
وماءٌ لا يُمنع،
وبيتٌ لا يُهدمُ على أهله..
وعرفَ
أنَّ الأرضَ
لا تصبحُ وطنًا
بمجرّدِ أن نسمّيَها،
بل حينَ نحفظُ ترابَها،
ونصونُ شجرَها،
ونحمي أهلَها،
ونتركُ لأطفالِها
سماءً رحبةً
ليحلموا..
ومضى..
يحملُ في يدِه
قوّةَ الرجل،
وفي قلبِه
ذلكَ الطفلَ القديم..
كلّما أثقلتْهُ الحياةُ
عادَ إليه..
إلى رغيفِ أمِّه،
إلى ماءِ المطر،
إلى شجرةِ التين،
إلى رائحةِ الترابِ
بعدَ الغيم،
إلى العصافيرِ
وهي تنثرُ الصباحَ
فوقَ الحقول..
وعرفَ
أنَّ أجملَ ما في الإنسان
أن يكبرَ
دونَ أن يقتلَ الطفلَ
الذي كانَه..
لذلكَ
كلّما رأى طفلًا
يمضي إلى المدرسة،
توقّفَ قليلًا..
ينظرُ إليه
كأنَّهُ يرى نفسَهُ
قبلَ أن تكبرَ الحربُ
في العالم..
ويهمسُ:
دعوهُ يكبرُ بسلام..
دعوهُ يأكلُ خبزَهُ
دونَ خوف،
ويشربُ ماءَهُ
دونَ عطش،
ويركضُ في الحقل
دونَ أن يطاردهُ الرصاص،
ويعودُ إلى أمِّه
قبلَ أن ينامَ القمر..
دعوهُ يحلم..
فالأوطانُ
لا تُقاسُ بكثرةِ الحجارة،
ولا بطولِ الحدود،
بل بعددِ الأطفال
الذين يستطيعونَ أن يكبروا فيها
دونَ أن يفقدوا
براءةَ البدايات
ولا حقَّهم في الحلم..
كانَ طفلًا قرويًّا..
وما زالَ..
كلّما أغمضَ عينيهِ
يرى الحقلَ كما كان..
يرى أمَّهُ عندَ الباب،
وأباهُ يمسحُ عن يديهِ
غبارَ النهار..
يرى شجرةَ الزيتون،
والسنابلَ تميلُ
كأنَّها تُصلّي للريح،
ويرى الشمسَ
وهي تهبطُ ببطءٍ
على سفحِ المساء..
وحينَ يفتحُ عينيهِ
يقولُ:
ما زالَ هناكَ طفلٌ
ينتظرُ أن يعودَ الوطنُ
إلى صورتِه الأولى..
وطنًا
يشبهُ خبزَ أمٍّ دافئًا،
وماءَ غيمةٍ نقيًّا،
وظلَّ زيتونةٍ عتيقة،
وضحكةَ طفلٍ
تعلو فوقَ الحقول..
وطنًا
لا يخافُ فيهِ الطفلُ
من الغد..
بل يركضُ إليه..
كما كانَ يركضُ ذاتَ صباح،
حينَ كانَ طفلًا قرويًّا.
د. عبد الرحيم جاموس
قراءة أدبية في نص «كان طفلًا قرويًّا» للدكتور عبدالرحيم جاموس

بقلم: د. عادل جوده.من العراق.
تجربة شعريّة نثريّة مكثفة تُعالج جدليّة البراءة والوعي، والتحول من الذاكرة الفردية إلى الهمّ الجمعي الوطني.
اعتمد النص بنيائية تصاعدية تجعل من بطل القصيدة رمزًا للإنسان الفلسطيني والعربي المُعذّب باللجوء والحرب والمُتمسّك بذاته الأولى.
أبرز المحاور الجمالية والدلالية في النص:
ثنائية البراءة والوعي (الرحلة والتطور):
يبدأ النص برسم بورتريه حسّي للطفولة (الخبز، ماء الغيم، الفراشات)، حيث الطبيعة هي المعلم الأول.
ثم ينتقل بالتدرج نحو لحظة الاصطدام بالحقيقة.. فالكبر ليس مجرد نمو جسدي، بل هو مواجهة العالم بأسئلته القاسية (الركام، الأطفال بلا مدارس، الأشجار المهجورة).
إعادة تعريف مفهوم «الوطن»: يجرد الكاتب الوطن من تحيزاته المادية والإدارية (الحدود، الرايات، الكتب) ليعيد بناءه مفهومًا إنسانيًا ووجدانيًا بحتًا:
الوطن هو أم تنتظر، ولقمة دافئة، وزيتونة لا تُقتلع. الوطن يُقاس بأمان أطفاله لا بحجارة مبانيه.
الرمزية الحسية المكثفة:
يبرع د. جاموس في توظيف مفردات البيئة القروية (شجرة التين، رائحة التراب، خبز الأم، العصافير) كمعادل موضوعي للثبات والأصل. تصبح هذه الرموز ملاذًا نفسيًا كلما أثقلت الحربُ والكهولةُ كاهلَ الطفل/الرجل.
الايقاع والنبرة الإنسانية:
تتسم الجمل بالصرامة والإيجاز، مما يمنحها إيقاعًا داخليًا شبيهًا بالشعر الحر.
تحمل الخاتمة دفقًا عاطفيًا ومباشرة شفيفة عبر الطلب والتوسل للإنسانية (“دعوه يكبر بسلام”).
ينتهي النص بنتيجة فلسفية عميقة: النضج الحقيقي ليس في نسيان الماضي، بل في القدرة على حماية “الطفل الداخلي” وأمله في أن يعود الوطن إلى صورته الأولى النقية.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹



