ليالي النازحين بين جحيم الحرّ ورُعب القوارض

بقلم: د. سلامه أبو زعيتر

حين يغيب الشفق وتُسدل الظلمة أستارها، يتحول الليل الذي أودعه الله في الكون سكنًا وراحةً وأمانًا إلى جولة جديدة من العذاب والسهاد والمعاناة المفتوحة؛ ففي الوقت الذي يخلد فيه العالم، الذي يدعي الإنسانية والعدالة وحقوق الإنسان، إلى نوم هادئ، ويستمتع فيه المسؤولون واللصوص برفاهية السكون، يخوض عشرات آلاف النازحين في المخيمات معركة بقاء صامتة وأليمة تبدأ مع غروب الشمس ولا تنتهي إلا مع أذان الفجر، فهناك، تحت أقمشة الخيام المتهالكة وفي أزقتها المظلمة، يُجبر الآباء والأمهات على سهر مضنٍ يصارعون فيه الحرارة الخانقة ويقفون حراسًا على أنفاس أطفالهم وأجسادهم المنهكة خوفًا من القوارض والعِرَس التي تطوف في الظلام الدامس وتستبيح أجساد الغافلين، وإن ما يحدث كل ليلة في هذه المخيمات المنسية ليس مجرد تفصيل عابر في سياق النزوح، بل هو انتهاكٌ صارخ لأبسط مقومات الكرامة والحقوق الإنسانية، ويكشف عن قصور تنفيذي وأخلاقي غير مبرر، ويضع كافة الجهات الفاعلة من مؤسسات أممية وإغاثية وعلى رأسها الأونروا، وبلديات ومجالس إدارة النفايات، ولجان طوارئ حكومية ومحلية أمام مرآة عجزها وتقصيرها الميداني الفاضح؛ في هذه المسألة على وجه الخصوص، وهو ما يعكسه حال السهرانين دون أن يتلفت أحدٌ لمشكلتهم، رغم وجود مداخل ومقومات يمكن القيام بها لمعالجة الأزمة، كالإنارة، ومكافحة القوارض، والنظافة، وغيرها من التدخلات المقدور على إحداثها.

إن هذا القصور لا يرجع إلى نقص الإمكانيات فحسب، بل إلى سوء ترتيب الأولويات وتغييب ملف الحماية البيئية والأمان الشخصي داخل الخيام؛ فاقتصار التدخلات الإغاثية على توزيع طرود غذائية متباعدة، واستهلاك الميزانيات في تقارير وشعارات براقة، دون توفير شريحة إنارة شمسية بسيطة تقي النازح ظلمة الليل وتكشف له ما يتسلل إلى مضجعه، هو تخَلٍّ صريح عن المسؤولية الإنسانية؛ كما أن الوقوف موقف المتفرج أمام تراكم القمامة والمكاره الصحية بين أزقة الخيام يعكس إخفاقًا إداريًا يساهم بشكل مباشر في تحويل المخيمات إلى بؤر لتكاثر القوارض والآفات، ولا تتوقف خطورة هذا المشهد عند حدود الخوف أو الإزعاج اللحظي، بل تتعداه إلى تهديد صحي ونفسي خطير يكسر الروح المعنوية للآباء والأمهات نتيجة حرمانهم من النوم لأسابيع متواصلة، فضلاً عن المخاطر الوشيكة لانتشار الأوبئة والأمراض التي تنقلها الجرذان وتلوث بها الطعام الشحيح أصلاً.

ولكي لا يقف هذا النقد عند حدود التوصيف، فإن معالجة هذا الخلل العضال تتطلب إرادة حقيقية وخطة إنقاذ ميدانية عاجلة تتضافر فيها كل الجهود؛ تبدأ بإطلاق البلديات والأونروا حملات رش وإبادة شاملة للقوارض والآفات وتطهير أماكن جحورها فورًا، وتوفير نقاط تجميع مغلقة للنفايات ونقلها بشكل دوري بعيدًا عن الخيام، كما يقع على عاتق المنظمات الإغاثية الشريكة التزام فوري بإدراج طرد حماية الخيمة كأولوية قصوى، والذي يشمل توزيع وحدات إنارة شمسية صغيرة ومصائد ومواد طاردة للجرذان لكل خيمة، مع تفعيل دور لجان المخيمات في التوعية المجتمعية وحفظ النظافة العامة.

إن التاريخ لن يرحم، والضمير الإنساني لن يغفر لمن ملك وسيلة للتخفيف عن هؤلاء المعذبين ثم اختار التقاعس أو الاختباء خلف ذرائع الإمكانيات؛ فالنازح الذي أخرجته الحرب من بيته وفقد كل ما يملك، لا يطلب من صناع القرار معجزات ولا رفاهية، بل يطالب بحد أدنى ما يكفل آدميته ويحميه من ذل الخوف في الظلام، وإن النوم بسلام وأمان ليس مكرمة تُستجدى ولا منة يُجاد بها من أحد، بل هو حق أصيل ومكفول في أوقات الأزمات؛ وإن الاستمرار في إغماض العين عن مأساة ليالي القوارض والظلام هو تواطؤ صريح في سحق كرامة الإنسان، وسلوك يفرغ المنظومة الإغاثية والدولية من آخر ما تبقى لها من مصداقية وأخلاق.

Dr. Salama .M.S. Abu Zuaiter
00970599855225
0097082456626
0097082882133
skype/ salamapgftu2005

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com