النَّظّارة … نص: بقلم د. عبدالرحيم جاموس

قال لي طبيبُ العيون:
في عينيكَ
ماءٌ أبيض…
سنُخرِجُهُ
ونمنحُ عينيكَ
عدسةً جديدة،
فتعودُ الرؤيةُ
أصفى
وأكثرَ وضوحًا…
ابتسمتُ
وقلت:
وماذا
عن النَّظّارة؟
قال:
لن تحتاجَ إليها
بعد اليوم.
تأمَّلتُهُ قليلًا
وقلت:
لكنَّ النَّظّارة
لم تعدْ مجرّد نظّارة…
لقد عاشتْ معي
سنواتٍ طويلة،
دخلتْ في صورتي،
واستقرّتْ في ملامحي،
حتى صرتُ
إذا نظرتُ في المرآة
رأيتُني
من خلفها.
صارتْ
جزءًا من وجهي،
من عادتي،
ومن ذاكرتي…
كيف سأخلعُها
وأمضي؟
وكيف سأقفُ
أمام المرآة
بوجهٍ عارٍ
من إطارٍ
ألفتُهُ
وألفني؟
قال الطبيب:
سترى العالم
أوضح…
قلت:
ربما…
لكنني أخشى
أن أرى نفسي
أوضحَ مما ينبغي!
فبعضُ الأشياء
لا تُحسّنُ النظر،
بل تُعيدُ تشكيلَ الصورة…
والنَّظّارة
لم تكن تُصحّحُ بصري فقط،
بل كانت تُخفي
بعضَ تعبِ السنين،
وتمنحُ وجهي
ملامحَهُ التي اعتدتُها.
ثم ضحكتُ…
وقلت:
يا دكتور…
أنتَ تريدُ
أن تُعيدَ إلى عينيَّ
صفاءَهما،
وأنا أخشى
أن تُعيدَ إليَّ
وجهًا
لا أعرفه!
فقال:
ستعتادُه…
قلت:
ربما…
لكنني سأحتفظُ
بالنَّظّارة.
لا لأرى بها…
بل لأتذكّرَ
ذلك الرجلَ
الذي كان يراني
من خلفِها.
فبعضُ الأشياء
لا نرتديها
على وجوهنا فقط…
بل ترتديها
أرواحُنا أيضًا.
وحين نخلعُها،
لا نخلعُ شيئًا
عن الوجه…
بل نخلعُ
قطعةً من الذاكرة…..
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
19/8/2026 م
طاب صباحكم 🌺
نصٌّ أدبيٌّ باذخ، يفيضُ بالإنسانية والشفافية.
لقد استطاع الدكتور عبدالرحيم جاموس أن يحوّل حوارًا طبيًا عابرًا داخل عيادة عيون إلى حوارٍ فلسفيٍّ ووجوديٍّ عميق حوارٍ يمسُّ الهوية، والذاكرة، والتأقلم مع تغيرات الزمن.
إليك قراءة أدبية تحليلية ومؤثرة لثنايا هذا النص

بقلم: د. عادل جوده- من العراق
أولاً: عتبة النص والمفارقة (بين التقنية الطبية والبعد الإنساني)
يبدأ النص بموقفٍ يوميٍّ معتاد؛ طبيبُ عيونٍ يشخّص حالة مرضه (“ماء أبيض”) ويقدم حلاً تقنيًا وعلاجيًا حاسمًا (“استبدال عدسة العين”).
الطبيب ينظر للأمر من زاوية “البصر” (الرؤية المادية، الوضوح، والتصحيح التقني).
الكاتب ينظر للأمر من زاولية “البصيرة” (الارتباط العاطفي، والذاكرة، والألفة).
هنا تنشأ المفارقة الأولى: هل الزيادة في وضوح العالم الخارجي تضمن لنا الراحة في رؤية ذواتنا؟ فالطبيب يعد بـ “رؤية أصفى”، لكن الشاعر/الكاتب يدرك أن الصفاء المادي قد يكشف عن تجاعيد وانكساراتٍ كان يسدلها الإطار القديم.
ثانياً: النظارة كرمزيّة للهوية والانتماء (أنسنة الأشياء)
تتحول “النظارة” في النص من مجرد أداة طبية مصنوغة من الزجاج والحديد إلى كائن حيّ يشارك الإنسان حياته؛ تتداخل مع ملامحه، وتدخل في ذائقة صورته الشخصية، وتصبح جزءًا لا يتجزأ من هويته أمام المرآة.
“دخلت في صورتي، واستقرت في ملامحي… صرتُ إذا نظرتُ في المرآة رأيتُني من خلفها.”
تتجلى هنا حالة من “أنسنة الأشياء” ، فالنظارة أصبحت إطارًا للهوية؛ الخوف من خلعها ليس خوفًا من العملية الجراحية، بل هو خوفٌ من الوقوف أمام المرآة بوجهٍ “عارٍ”، خوف من مواجهة ذاتٍ جُرِّدت من الإطار الذي ألِفَته وألِفَها لسنوات.
ثالثاً: فلسفة الرؤية والهروب من الوضوح الجارح
في ذروة النص، يصل الحوار إلى عمقٍ فلسفيٍّ شفاف حين يقول الكاتب:
“لكنني أخشى أن أرى نفسي أوضح مما ينبغي!”
هنا يطرح النص مقولةً أدبيةً شديدة العمق: ليس كل وضوحٍ مريحًا. فالضبابية القليلة أحيانًا تكون بمثابة “رحمة” تستر تعب السنين، وتخفف من قسوة الأثر الذي يتركه الزمن على ملامحنا وأرواحنا.
النظارة لم تكن لتصحيح النظر فحسب، بل كانت قناعًا لطيفًا يُخفي بعض الوهن، ويمنح الوجه الأمان. والشفافية المطلقة قد تضعنا وجهًا لوجه أمام حقائق وأعمارٍ قد لا نكون مستعدين لمواجهتها بكامل ناصيتها.
رابعاً: الذاكرة والأثر (النظارة كمستودع للروح)
تصل الحبيكة العاطفية إلى قمتها في قرار الاحتفاظ بالنظارة رغم عدم الحاجة الوظيفية إليها:
“لكنني سأحتفظ بالنظارة… لا لأرى بها، بل لأتذكر ذلك الرجل الذي كان يراني من خلفها.”
تحولت النظارة هنا إلى “أيقونة للذاكرة” أو أرشيف زمني.
الكاتب لا يريد الاحتفاظ بالجماد، بل بالرجل الذي كانه أثناء ارتداء ذلك الجماد. إنها محاولة مادية للإمساك بالماضي وبالذات القديمة حتى لا تتلاشى مع التحولات الجديدة.
الخاتمة: خلع الأشياء أم خلع الذاكرة؟
ختام النص جاء مكثفًا ليصوغ الحكمة النهائية بلغة روحية شفافة:
“فبعض الأشياء لا نرتديها على وجوهنا فقط… بل ترتديها أرواحنا أيضًا.
وحين نخلعها، لا نخلع شيئًا عن الوجه… بل نخلع قطعةً من الذاكرة.”
يختتم د. عبدالرحيم جاموس نصَّه بتقرير حقيقةٍ إنسانية جامعة: الأشياء التي ترافقنا طويلاً تعبر الجسد لتستقر في الروح.
والتخلي عنها ليس مجرد إجراءٍ مادي أو تبديل لقطعة أثاث، بل هو اقتطاعٌ لجزءٍ من الذاكرة والتاريخ الشخصي.
لقد نجح الكاتب في تقديم نص يجمع بين سلاسة اللفظ، وعمق المعنى، وشفافية التجربة، ليترك قارئه أمام مرآة ذاته، يتساءل هو الآخر: ما هي “النظارة” التي يرتديها في حياته ويخشى أن يخلعها؟
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹



