تصريح الدكتور محمد زقوت حول مرضى قطاع غزة المحولين للعلاج بالخارج

تحياتي للدكتور محمد زقوت، قامة علمية وطبية، وشخصية خلوقة لا يختلف عليها اثنان. وما نطرحه هنا ليس نقدًا لشخصه، ولا تشكيكًا في اللجان الطبية أو في الجهد الذي يبذله الأطباء، وإنما محاولة لقراءة التصريح من زاوية مهنية وإدارية، لأن دقة المفاهيم في إدارة الملف الصحي ليست مسألة لغوية، بل يترتب عليها تحديد المسؤوليات والأدوار.
بداية، هناك خلط في المفاهيم يستوجب التوضيح. فقد وصف الدكتور محمد زقوت الإجراء الطبي بأنه «تحويلة طبية»، بينما ما تقوم به الإدارة العامة للمستشفيات في قطاع غزة، من الناحية الإجرائية، يقتصر على تحرير الطبيب نموذج تحويل رقم (1)، بعد تحديد حاجة المريض إلى خدمة علاجية غير متوفرة داخل القطاع، واعتماد التحويلة وفق التسلسل الطبي المعمول به.
وهنا ينبغي التفريق بين الإجراء الطبي وبين إدارة ملف العلاج بالخارج؛ فالتحويلة هي بداية المسار، وليست المسار بأكمله.
ولعل ما يؤكد ذلك أن الدكتور زقوت أشار في نهاية تصريحه إلى أن وزارة الصحة في غزة لا تملك القدرة على متابعة المرضى ميدانيًا وماليًا بعد مغادرتهم القطاع. وهذا التصريح يفتح سؤالًا مؤسسيًا حول الجهة التي تتولى إدارة ملف المريض بعد خروجه، وحول الدور الذي يفترض أن تقوم به دائرة العلاج بالخارج في هذه المنظومة.
أما الأرقام التي أوردها الدكتور زقوت، فتشير إلى أن نحو 20 ألف حالة بحاجة ماسة إلى السفر، بينما تمكن 2,480 مريضًا وجريحًا فقط من مغادرة القطاع خلال الفترة من 2 فبراير وحتى 2 أغسطس 2026؛ منهم 2,129 عبر معبر رفح و351 عبر معبر كرم أبو سالم، وبمعدل لا يتجاوز نحو 400 حالة شهريًا.
وهذه الأرقام لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد إحصاءات، فهي تعكس فجوة كبيرة بين حجم الاحتياج الطبي وبين عدد المرضى الذين تمكنوا فعليًا من مغادرة القطاع للعلاج، وتستحق بالتالي قراءة إدارية تتجاوز مجرد تسجيلها في أرقام.
أما في ما يتعلق بآلية الاختيار الطبي، فقد أوضح الدكتور زقوت أن البداية تكون من الطبيب المعالج، الذي يحدد حاجة المريض للعلاج خارج غزة، ثم تعتمد التحويلة من الطبيب ورئيس القسم والمدير الطبي، قبل أن تُرفع الحالات إلكترونيًا إلى لجنة فنية مركزية تضم 18 استشاريًا من مختلف التخصصات.
وهنا لا بد من تسجيل التقدير والاحترام لهؤلاء الاستشاريين، فهم يمثلون خبرات طبية متخصصة، ووجود لجنة تضم هذا العدد والتنوع من أصحاب الاختصاص يفترض أن يوفر أساسًا مهنيًا قويًا لتقييم الحالات وترتيب أولوياتها.
وقد أوضح الدكتور زقوت أن اللجنة تراجع الحالات بشكل دوري بالتعاون مع لجان تخصصية، وتصنف المرضى إلى: عاجل جدًا، عاجل، متوسط، وانتظار، مع إعطاء الأولوية للحالات الحرجة والمنقذة للحياة، مثل مرضى العناية المركزة.
لكن هنا يبرز سؤال مهني مهم: هل تنتهي مهمة اللجنة الطبية عند إصدار القرار الطبي وتصنيف الحالة؟
فنحن نتحدث عن مرضى قد تتغير حالتهم الصحية أثناء فترة الانتظار، وقد ينتقل المريض من تصنيف إلى آخر، وقد يتغير الإجراء الطبي المطلوب، أو الموعد، أو درجة الحاجة، أو حتى الجهة العلاجية.
وبالتالي، فإن القرار الطبي ليس وثيقة جامدة، وإنما نقطة في مسار علاجي متغير يحتاج إلى متابعة مستمرة، خصوصًا عندما تكون فترات الانتظار طويلة والقدرة على السفر محدودة.
وبحسب التصريح، أعدت وزارة الصحة حتى الآن 45 كشفًا تضم ما بين 2,500 و3,000 مريض، وأرسلت هذه القوائم إلى الجهات المختصة والمنظمات الدولية لاستكمال إجراءات الموافقة والتدقيق الأمني.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى أهم النقاط التي تستحق التوقف عندها.
نحن نتحدث عن حالات مرضية، كل حالة منها تختلف عن الأخرى؛ سواء من حيث التشخيص، أو الإجراء الطبي المطلوب، أو درجة الاحتياج، أو مستوى الأولوية، أو طبيعة الموعد والجهة العلاجية.
فإذا كانت هذه الكشوفات تضم مرضى لديهم مواعيد علاجية فعلية في مستشفيات القدس، والمستشفيات الإسرائيلية، ومستشفيات الضفة الغربية، فإن التعامل معها باعتبارها مجرد قوائم أسماء لا يعكس الطبيعة الحقيقية للملف.
المريض ليس رقمًا في كشف، وليس مجرد اسم يضاف إلى قائمة.
كل مريض لديه تشخيصه، وإجراءه الطبي، ودرجة احتياجه، وموعده، ووجهته العلاجية، ووضعه من حيث الموافقة والإجراءات المرتبطة بالسفر. ولذلك فإن الأصل أن تكون لكل حالة معاملة علاجية مستقلة ومسار إداري خاص بها، تُرسل وتتابع مع أطراف العلاقة وفق طبيعة الحالة ومسارها، ثم يمكن استخدام الكشوفات كأداة تنظيمية وتجميعية، لا باعتبارها المعاملة ذاتها.
ومن هنا فإن تحويل المعاملات العلاجية إلى «كشوفات» موحدة تُرسل إلى الجهات المختصة، ثم انتظار الردود عليها، يمثل في تقديري خطأً إداريًا فادحًا في إدارة ملف المرضى المحولين للعلاج بالخارج؛ لأن الحالات ليست متساوية حتى تتم إدارتها بالطريقة ذاتها.
أما الحديث عن أن مريضًا في الكشف رقم 7 حصل على موافقة بينما تأخر الرد على مريض في الكشف رقم 1، فلا ينبغي أن يكون هو جوهر المشكلة.
فقد تأتي الموافقات الأمنية بصورة غير متسلسلة، وقد تختلف من مريض إلى آخر، وهذا عامل خارجي لا يمكن للمؤسسة الصحية التحكم به بالكامل. لكن السؤال الإداري الحقيقي هو: كيف تتم إدارة المعاملة عندما تأتي الردود بصورة مختلفة؟
هنا يظهر الفرق بين إدارة الكشوفات وإدارة المعاملات.
إدارة الكشف تعني إرسال مجموعة من الأسماء وانتظار الرد.
أما إدارة المعاملة فتعني أن يكون لكل مريض ملف حي ومحدث، يعرف أين وصل، وما الذي تم إنجازه، وما الذي ينتظر، ومن الجهة التي تتابعه، وما الإجراء التالي المطلوب، ومتى يجب إعادة المتابعة.
وهذا تحديدًا هو الدور الذي كانت تقوم به دائرة تنسيق وارتباط المرضى؛ حيث كانت طبيعة عملها قائمة على المتابعة المنتظمة والتراكمية للمعاملات، والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، ومتابعة المواعيد والموافقات، والتعامل مع كل حالة وفق وضعها المستجد، بدل التعامل مع الكشف باعتباره وثيقة تُرسل ثم يُنتظر الرد عليها.
ولذلك، فإن اختلاف توقيت الموافقات بين المرضى ليس في حد ذاته إخفاقًا إداريًا؛ فالقرار قد يكون خارج نطاق المؤسسة الصحية. أما الإخفاق الإداري فيبدأ عندما لا تكون هناك منظومة قادرة على إدارة هذا الاختلاف، ومتابعة كل معاملة بصورة مستقلة، وتحديث وضع المريض، والتدخل في الوقت المناسب عندما تتغير الظروف.
نحن هنا أمام قضية علاجية وليست قضية إغاثية متشابهة الحالات. فالقضايا العلاجية تختلف في التشخيص والإجراء الطبي ودرجة الاحتياج والأولوية والموعد والجهة العلاجية، ولذلك لا يمكن أن تكون الكشوفات هي جوهر إدارة الملف، وإنما مجرد أداة من أدوات التنظيم.
ومن هنا، فإن معالجة هذه القضية لا تكون بإضافة المزيد من الكشوفات، ولا بمجرد إعادة ترتيب الأسماء داخلها، وإنما بإعادة بناء المسار الإداري للمرضى المحولين للعلاج بالخارج.
والخطوة الأولى في ذلك هي إعادة الأدوار إلى أصولها السيادية؛ دائرة العلاج بالخارج بوصفها الجهة المختصة بإدارة ملف العلاج خارج القطاع، ودائرة تنسيق وارتباط المرضى بوصفها الجهة المعنية بإدارة المسار التنفيذي والتنسيقي مع أطراف العلاقة.
وإذا كانت الظروف الحالية تستوجب تغييرًا في شكل العمل، فإن المطلوب هو إعادة هيكلة قضية مرضى قطاع غزة المحولين للعلاج بالخارج على أساس مؤسسي واضح، يحدد المسؤوليات، ويربط القرار الطبي بالإدارة العلاجية والتنسيق التنفيذي، ويضمن أن يكون لكل مريض ملفه ومساره ومتابعته.
فالمطلوب ليس المزيد من الكشوفات، وإنما منظومة متكاملة لإدارة المرضى؛ لأن المريض حالة علاجية لها خصوصيتها، وليس مجرد اسم في قائمة.
نضال احمد جابر جودة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com