مرضى قطاع غزة: اتصال بعد الموت.. نضال احمد جابر جودة

كثير من الحالات المرضية يتم التواصل مع ذويها من خلال اللجنة الطبية البديلة لاستدعائهم للسفر، فيتفاجأ طاقم العمل بأن المريض قد توفي منذ شهر أو شهرين أو ثلاثة، بينما لا يزال اسمه مدرجًا ضمن الحالات التي صدر لها نموذج رقم (1). قد تبدو الواقعة خطأً في تحديث البيانات، لكنها في حقيقتها تكشف خللًا في منظومة إدارة الحالة والقرار.
وعندما نتحدث عن نحو 22 ألف معاملة صدر بشأنها نموذج رقم (1)، من بينها نحو 11 ألف حالة لمرضى الأورام، إلى جانب مرضى الكلى والكبد وغيرهم، فإن إبقاء هذه الحالات ضمن قوائم عامة دون تحديث وتصنيف وفق درجة الاحتياج لا يوفر أساسًا تشغيليًا عادلًا لاتخاذ القرار، خصوصًا مع ما يُطرح من أن حالة وفاة تقع تقريبًا من بين كل ثلاث حالات.
والأهم هنا أن الكشوفات ليست ملفات للمرضى، وإنما أداة لتنظيم العمل. لذلك ينبغي أن يكون لكل مريض ملف صحي وإداري مستقل ومحدث، تُستخرج منه القوائم بحسب المرض ودرجة الاحتياج والحالة الفعلية للمريض. أما الحالات المتوفاة فتُفصل إحصائيًا، حتى تصبح الوفيات مؤشرًا قابلًا للتحليل وليس مجرد أسماء بقيت في كشف.
لكن قبل كل ذلك، هناك خلل مؤسسي ينبغي معالجته: تعدد الجهات التي تتعامل مع ملف السفر والعلاج، وظهور لجان ومؤسسات صحية بديلة وإحلالية إلى جانب المؤسسة الحكومية، أدى إلى تشتت المسؤولية ومراكز القرار، وأضعف قدرة المؤسسة الصحية السيادية على إدارة الملف من بدايته إلى نهايته.
وهنا لا يكمن الحل في إنشاء كشف جديد أو لجنة إضافية، وإنما في إعادة توحيد المرجعية المؤسسية؛ بإقصاء البدائل كافة التي حلت محل المؤسسات الصحية الحكومية، وإنهاء ازدواجية الأدوار، وتعزيز دور دائرة العلاج بالخارج باعتبارها الجهة المختصة بملف العلاج خارج القطاع، وتعزيز دائرة تنسيق وارتباط المرضى باعتبارها الذراع التشغيلية في متابعة المرضى والتنسيق بشأن سفرهم.
وبالتوازي، تتولى الإدارة العامة للمستشفيات في قطاع غزة تحديث ملفات المرضى ومراجعة الحالات الصادر لها نموذج رقم (1)، مع فصل الوفيات في سجل مستقل، وجدولة الحالات النشطة في كشوف منفصلة وفق نوع المرض ودرجة الاحتياج الطبي، بحيث تصبح الأولوية للحالة الأكثر احتياجًا وليس لمجرد أسبقية الاسم في قائمة الانتظار.
بهذا ننتقل من تعدد الجهات إلى وحدة المرجعية، ومن الكشوف إلى الملفات، ومن أسبقية الدور إلى أولوية الاحتياج؛ وتصبح المؤسسات الصحية الحكومية هي صاحبة الاختصاص، بينما تكون الكشوفات أداة تنظيم، والبيانات أساسًا للقرار، والتنسيق وظيفة مؤسسية واضحة لا مهمة لجان بديلة.
فالمشكلة ليست أن مريضًا توفي وبقي اسمه في كشف؛ المشكلة أن النظام الذي يفترض أن يتابع المريض لم يكتشف وفاته إلا عندما اتصل به بعد الموت.
وهنا تبدأ مسؤولية الإصلاح: إعادة الاختصاص إلى المؤسسة الصحية الحكومية السيادية، توحيد قاعدة البيانات، اعتماد ملف مستقل لكل مريض، فصل الوفيات إحصائيًا، وجدولة الحالات النشطة وفق درجة الاحتياج؛ حتى لا يصبح نموذج رقم (1) مجرد قرار على الورق، ولا تصبح قائمة الانتظار مكانًا يصل إليه الاتصال بعد فوات الأوان.

نضال احمد جابر جودة



