المرء على دين خليله.. حين تصنع الصحبة ملامح الإنسان

بقلم: جلال مبارك

ليست كل الصحبة عابرة، ولا كل الصداقات مجرد لقاءات تمضي مع الأيام. هناك أصدقاء يدخلون حياتنا بهدوء، ثم يتركون فيها شيئًا منهم؛ فكرة، أو عادة، أو موقفًا، أو طريقة مختلفة في النظر إلى الحياة. وربما لا نشعر بذلك ونحن نعيش تفاصيل العلاقة، لكننا نكتشف بعد سنوات أننا أصبحنا نشبه من رافقنا طويلًا.
من هنا تأتي الحكمة النبوية العميقة في قول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل».
فالإنسان يتأثر بمن يجالس ويخالط، ويتشكل جزء من شخصيته من البيئة التي يعيش فيها، ومن الأشخاص الذين يفتح لهم قلبه وعقله. وقد تكون الصحبة طريقًا إلى النور، وقد تكون طريقًا آخر إلى العتمة.
الصديق الحقيقي لا يكتفي بأن يشاركك الضحك، بل يشاركك لحظات الانكسار، ويذكّرك بقيمك عندما تنساها، ويقول لك الحقيقة عندما يجاملُك الآخرون. قد يكون صديقًا يفتح أمامك نافذة أمل في وقت تبدو فيه الحياة كلها جدرانًا مغلقة.
وفي المقابل، هناك صحبة تشبه الريح التي تحمل الغبار؛ تبدأ بخطوة صغيرة، ثم تتراكم آثارها حتى يصبح الإنسان أسيرًا لعادات وأفكار لم تكن يومًا جزءًا منه. وهنا يكمن الفرق بين صديق يرفعك، وآخر يسحبك إلى حيث لا تريد.
ولعل واقعنا الفلسطيني يجعلنا أكثر حاجة إلى استحضار هذه الرسالة. فنحن نعيش وسط حرب ونزوح وفقدان وضغوط اجتماعية ونفسية واقتصادية تركت آثارها على الإنسان والأسرة والمجتمع. وفي مثل هذه الظروف تصبح الصحبة أكثر من علاقة اجتماعية؛ تصبح قوة قادرة على رفع الإنسان أو دفعه نحو مزيد من الانكسار.
كم من شاب وجد في صديقه يدًا امتدت إليه عندما كاد يسقط، وكم من إنسان استعاد ثقته بنفسه لأن صديقًا آمن بقدرته على النهوض. وكم من شخص كان يمكن أن يسلك طريقًا مختلفًا لو وجد إلى جانبه رفيقًا يقول له: توقف، هذا الطريق لا يشبهك.
إن اختيار الصديق ليس ترفًا اجتماعيًا، بل مسؤولية. فالأسرة المتماسكة تبدأ بتربية أبنائها على حسن الاختيار، والمجتمع القوي يحتاج إلى علاقات تقوم على الاحترام والقيم والتكافل. وما يتعلمه الأبناء من أصدقائهم قد يترك أثرًا في مستقبلهم أكثر مما نتوقع.
وفي النهاية، ليست الصداقة مقعدًا نجلس عليه لتمضية الوقت، بل طريقًا نمشي فيه، وقد يقودنا إلى الارتقاء أو السقوط.
لذلك لا يكفي أن نبحث عن صديق صالح، بل علينا أن نسأل أنفسنا أيضًا: هل نحن أصدقاء صالحون للآخرين؟
فربما يكون شاب ينتظر كلمة تشجعه، أو طفل يبحث عن قدوة، أو إنسان أنهكته الحياة ويحتاج إلى يد تمتد إليه.
الصديق قد يكون بداية نجاة، وقد يكون بداية سقوط؛ فاختر خليلًا إذا ضاقت بك الحياة وسّع أفقك، وإذا تعثرت أسندك، وإذا أخطأت نصحك، وإذا نجحت فرح لك. وكن أنت ذلك الصديق لغيرك، لأن المجتمعات لا تُبنى بالأفراد وحدهم، بل بما يصنعه الأفراد في بعضهم بعضًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com