الصاحب بالجنب في الحرب.. أناسٌ مرّوا في حياتنا ولم يمرّ أثرهم

بقلم أ. جلال مبارك

من هو الصاحب بالجنب؟
هل هو أخوك؟ شقيقك؟ ابن عمك؟ ابن خالتك أو ابن عمتك؟
أتعرِفون من هو الصاحب بالجنب؟ وما قصته؟
تعالوا معي…
من الطبيعي أن يوصي القرآن الكريم بالإحسان إلى الوالدين، وذوي القربى، واليتامى والمساكين والجيران، لكن أن يوصي بالإحسان إلى أناس جمعتنا بهم الحياة لفترة، ثم مرّوا بنا مثل الطيف، فهذا هو العجب!
يقول الله تعالى في سورة النساء:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَ٩تَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36].
والصاحب بالجنب هو كل من صاحبك في جانب من جوانب الحياة؛ زميل الدراسة، ورفيق العمل، ورفيق السفر، ومن جالسك في مسجد أو مؤتمر أو مجلس، وكل من وقف إلى جانبك في موقف مهم من مواقف الحياة.
وفي فلسطين، وفي هذه الحرب الطويلة، اتسعت دائرة «الصاحب بالجنب» حتى أصبحت بحجم الوطن.
كم من جار تقاسمنا معه الخبز والماء تحت القصف؟ وكم من غريب فتح خيمته لغريب؟ وكم من إنسان لم نكن نعرفه، ثم أصبح أخًا لأن الحرب جمعتنا تحت سقف واحد، أو في طابور ماء، أو أمام باب مستشفى، أو في طريق نزوح طويل؟
الحرب لا تكشف فقط قسوة الإنسان، بل تكشف أيضًا معدن الإنسان.
هناك وجوه ربما لم نعرف أسماء أصحابها، لكنها ستبقى في ذاكرتنا ما حيينا؛ يد امتدت إلينا، كلمة طيبة قيلت في لحظة خوف، كوب ماء، قطعة خبز، مكان في خيمة، أو حضن لطفل خائف.
هؤلاء جميعًا كانوا «أصحابًا بالجنب»؛ مرّوا في حياتنا، وربما لم تطل صحبتهم، لكن أثرهم طال العمر كله.
وفي زمن الحرب، يصبح الوفاء أكثر من مجرد كلمة. يصبح ذاكرةً لا يجوز أن نخونها، وموقفًا لا ينبغي أن ننساه. فمن وقف معنا حين ضاقت بنا الدنيا، ومن اقتسم معنا الخوف والخبز والماء، يستحق أن يبقى في القلب، حتى لو فرّقتنا الأيام والمسافات.
لذلك، لا تنسوا من وقف بجانبكم في الأيام الصعبة. لا تنسوا صديقًا، ولا رفيقًا، ولا جارًا، ولا زميلًا، ولا إنسانًا مرّ بكم ذات يوم وترك في أرواحكم أثرًا طيبًا.
ويقال: إن لم تستطع إسعاد شخص تحبه، فادعُ الله أن يسعده؛ فهو أعلم منك بمواطن إسعاده.
فيا رب، أسعد كل صديق، وكل رفيق، وكل صاحب، وكل زميل، وكل جليس صالح، وكل إنسان جمعتنا به هذه الدنيا الفانية، وترك في حياتنا أثرًا جميلًا.
اللهم احفظ أهل فلسطين، وارحم شهداءها، واشفِ جرحاها، واحفظ أطفالها، وردّ النازحين إلى بيوتهم، واجمع شمل من فرّقتهم الحرب، واجعل بعد هذا الليل فجرًا، وبعد هذا الوجع فرحًا، وبعد الشتات عودةً إلى الديار.
فربما لا نملك كثيرًا لمن أحببناهم، ولا نستطيع أن نردّ لهم جميل مواقفهم، لكننا نملك الدعاء.
والدعاء أحيانًا يكون أجمل وفاءٍ لصاحبٍ بالجنب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com