حين تساقطت الوجوه.. بقيت الصداقة الحقيقية

بقلم: أ. جلال مبارك
الأخوّة والصداقة ليستا بكثرة اللقاء، ولا بعدد الرسائل والصور، بل بصدق المودة وجميل المواقف؛ أن تجد قلبًا يفرح لفرحك، ويسندك عند حاجتك، ويحفظ ودّك في حضورك وغيابك. فما أجمل صديقًا بروح أخ، وأخًا يسكن القلب كأجمل صديق.
لكن الحرب تغيّر الكثير؛ فهي لا تهدم البيوت وحدها، بل تكشف أيضًا حقيقة العلاقات، وتضع الصداقة والأخوّة أمام اختبار حقيقي لا تنفع فيه الكلمات ولا المجاملات.
في مخيمات النزوح، حيث أصبحت الخيمة بيتًا، والماء والخبز والدواء احتياجات يومية، وجد الإنسان الفلسطيني نفسه أمام امتحان أخلاقي وإنساني قاسٍ: من يقف إلى جانبه عندما تضيق به الحياة؟ ومن يحمل معه بعضًا من أثقال النكبة والكارثة؟
رأيت بعيني في مخيمات النزوح عائلات تقسم الكراتين الغذائية مع جيرانها رغم حاجتها، وتتقاسم المياه والخبز في الأيام التي ارتفعت فيها الأسعار وضاقت فيها سبل الحياة. رأيت من يملك القليل، لكنه لا يتردد في اقتسامه مع من يملك أقل.
في تلك اللحظات، أدركت أن الإنسان قد يخسر بيته، لكنه يستطيع أن يحافظ على إنسانيته.
وفي المقابل، كشفت الحرب بعض الوجوه على حقيقتها. علاقات ظننا أنها متينة تراجعت أمام أول اختبار، وصداقات بدت كبيرة في أيام الرخاء لم تصمد عندما أصبح الصديق أو الجار بحاجة إلى يد تمتد إليه.
هنا تساقطت بعض الوجوه، وفي المقابل ظهرت وجوه لم نكن نعرف قيمتها من قبل؛ أناس لم تمنعهم قسوة النزوح من السؤال، ولا قلة ما يملكون من أن يشاركوا ما لديهم، ولا التعب من أن يحملوا عن غيرهم شيئًا من أثقال الحياة.
لقد كانت الحرب مرآة كشفت معدن الإنسان. أثبتت لنا أن الصداقة الحقيقية ليست أن تكون حاضرًا في الأفراح فقط، بل أن تكون موجودًا عندما يصبح الحضور موقفًا ومسؤولية.
وفي المخيم، لا يحتاج الإنسان إلى خطابات طويلة؛ أحيانًا تكفيه رغيف خبز، أو جالون ماء، أو كرتونة غذائية تُقسم بالعدل، أو كلمة تقول له: «لا تقلق، نحن معك».
لقد علمتنا النكبة أن العلاقات لا تُقاس بكثرة اللقاء، وإنما بصدق المواقف، وأن الأخوّة ليست مجرد صلة دم، بل مسؤولية ووفاء ورحمة.
فقد تسقط البيوت، وتتبدل الأماكن، وتتفرق العائلات بين المخيمات، لكن الإنسان الذي يحمل أخاه في قلبه، ويقتسم معه رغيفه وماءه وقلقه، يظل وطنًا صغيرًا لا تهدمه الحرب.
فالصداقة الحقيقية لا تُعرف في أيام الرخاء، بل تظهر عندما يصبح الوقوف إلى جانب الآخر فعل نجاة، ويصبح اقتسام القليل شكلًا من أشكال الأخوّة.



