حين صار المأوى مقبرة.. بقلم أ.محمد معين الكفارنة

لم يعد للإنسان متّسعٌ ليهرب من الموت؛ فالموت هناك لا يطرق بابًا، ولا ينتظر موعدًا، ولا يترك للروح فسحةً لتلتقط أنفاسها، شرّدوا الناس من بيوتهم، فقالوا لهم: ارحلوا إلى أماكن أكثر أمانًا فحملوا ما استطاعوا من بقايا أعمارهم، وخرجوا يبحثون عن زاويةٍ يختبئون فيها من نار الحرب ، لقد خرجت الأمهات بأطفالهن، يحملن الخوف بدل الحقائب، ويحمل الأطفال أحلامًا صغيرة لا تعرف لماذا اضطرت إلى الرحيل لكن أين يذهب المنهكون حين يصبح الإيواء نفسه مربعًا للموت؟!
هربوا من بيتٍ قُصف، فباغتهم الموت في خيمة ، فرّوا من شارعٍ احترق فلاحقهم الموت إلى مكان النزوح ، ناموا على الأرض طلبًا للأمان فاستيقظت الأرض تحتهم على فاجعة جديدة ، يا لهذه الحرب التي لم تكتفِ بأن تهدم الحجر حتى أخذت تطارد الإنسان في آخر ما تبقّى له من مأوى!
طفلٌ كان ينبغي أن يحمل حقيبته إلى المدرسة فإذا به يحمل اسمه على كفن ، وأم كانت تنتظر أن يكبر صغيرها أمام عينيها فإذا بها تبحث بين الركام عن قطعةٍ من ثيابه ، وأبٌ لم يعد يسأل: أين بيتي؟ بل يسأل السؤال الأكثر وجعًا: أين أطفالي؟ أيُّ زمنٍ هذا الذي يصبح فيه بقاء الطفل معجزة، والنوم أمنية، والمأوى احتمالًا آخر للموت؟
غزة لا تبكي البيوت وحدها؛ غزة تبكي أعمارًا قُطعت قبل أوانها، وطفولةً سُرقت، وأمهاتٍ شاخت قلوبهن في ليلة، وآباءً صاروا يعرفون أسماء الشهداء أكثر مما يعرفون أسماء الشوارع ، لقد صار الموت يلاحق المدنيين من كل اتجاه؛ من السماء، ومن الأرض، ومن الطريق، ومن الخيمة، ومن المكان الذي قيل لهم إنه آمن ، وما أقسى أن يُطلب من إنسانٍ أنهكه النزوح أن يرحل مرةً أخرى ثم مرةً أخرى حتى لا يبقى له من الوطن إلا حقيبة، ومن البيت إلا ذكرى، ومن الأمان إلا كلمةٌ معلقة في الهواء.
السؤال لغزة !!! يا غزة :
كم يلزم من الموت حتى يكتفي الموت؟
وكم يلزم من الأطفال حتى يدرك العالم أن الطفل ليس رقمًا في خبر، وأن دمعة الأم ليست مشهدًا عابرًا؟
هناك في تلك البقعة المحاصرة بالألم، ما زالت أمٌّ تضم صورة طفلها، وما زال أبٌ يقلب بين الركام بحثًا عن أثر، وما زال طفلٌ آخر ينام على خوفه، لا يعرف إن كان الصباح سيأتيه بالحياة أم بفاجعة جديدة ، فيا أصحاب الضمائر الحية غزة لا تطلب المستحيل ، تطلب فقط أن يُترك أطفالها ليكبروا، وأن تُترك أمهاتها لتحتضن أبناءها، وأن يُترك الإنسان إنسانًا دون أن يكون الموت هو الاحتمال الأقرب في كل طريق.
سلامٌ على غزة حين ضاق بها المكان، وسلامٌ على أطفالها الذين لم يكبروا، وسلامٌ على الأمهات اللواتي صرن يحملن أبناءهن مرةً للحياة، ومرةً إلى المقابر ، ويا حسرة القلب حين يصبح النجاة من الموت رحلةً بلا عنوان،ويصبح المأوى مربعًا آخر للموت،
ويصبح السؤال الذي يسبق النوم كل ليلة:
هل سنبقى حتى الصباح؟



