‎مخاتير المسمّى ووجهاء الصورة.. د. شادي الكفارنة

نعيش في غزة زمن الاضطراب الاجتماعي والانهيار الاقتصادي والدمار الإنساني، وغياب سلطات إنفاذ القانون، وفي ظل ذلك برز دور العشائر والقانون العرفي، وأصبح الحل العشائري بديلًا عن القانون في الحرب، والعرف بديلًا عن مؤسسات إنفاذ القانون ، وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف!
هل كل من أطلق على نفسه لقب (مختار) أصبح مختارًا؟
وهل كل من سمّى نفسه(وجيهًا) أصبح وجيهًا ؟
إن الوجاهة لا تُفرض والمخترة ليست لقبًا ، فالمشكلة ليست في المخاتير الحقيقيين ولا في الوجهاء الذين عرفهم المجتمع تاريخيًا، وإنما في أولئك الذين يصنعون لأنفسهم الألقاب ثم يفرضونها على الناس وكأنها منزلة اجتماعية مقدسة ، فهم لا يمتلكون تاريخًا حقيقيًا في الإصلاح، ولاحضورًا اجتماعيًا، ولا تكليفًا رسميًا، ولا حتى قبولًا اجتماعيًا، ومع ذلك يتصدر المشهد باعتباره مختارًا أو وجيهًا.
من اختاركم؟ ومن منحكم هذه الصفة؟ ومن أين جاءت هذه الوجاهة؟ وهل أصبحت الوجاهة منشورًا على فيسبوك؟ وهل أصبحت المخترة صورة جماعية وجلسة تصوير؟ وهل تقاس المكانة الاجتماعية بعدد الصور والتصاميم والمنشورات؟
للأسف أصبح البعض يهتم بصورة نفسه أكثر من اهتمامه بصورة المجتمع، ويحرص على نشر صورته وهو يتوسط بين الناس أكثر من حرصه على تحقيق العدل بينهم بل ويستخدم الذكاء الاصطناعي لصناعة صور عن (العظمة) و(الإنجازات) و(الوجاهة)، بينما الواقع يقول شيئًا آخر ، والمفارقة المؤلمة أن بعض من يضعون أنفسهم في موقع المصلحين لم يستطيعوا إصلاح خلاف داخل بيوتهم أو بين أبنائهم أو بين زوجات أبنائهم بل قد يكون بعضهم سببًا في الخلاف والفتنة ثم يخرج إلى المجتمع مرتديًا ثوب المصلح والوجيه.
أي وجاهة هذه؟ وأي إصلاح هذا؟
الإصلاح موقف، والوجاهة مسؤولية، والمخترة أمانة ، وهنا نقولها بوضوح حتى لا يزايد علينا أحد:
لسنا ضد المخاتير، ولسنا ضد العشائر، ولسنا ضد الوجهاء الحقيقيين بل نعرف مخاتير ووجهاء نعتز بهم ونحترمهم، ونعرف تاريخهم ومواقفهم، وكانوا وما زالوا حاضنة اجتماعية ووطنية ، فهؤلاء الحقيقيون هم الذين يصلحون بين الناس، ويقفون إلى جانب المظلوم، ويردون الحقوق إلى أصحابها، ويسعون إلى العدالة والمساواة، ويحافظون على الأمن والسلم المجتمعي، فهم محل تقدير واحترام عندنا جميعا خصوصًا في هذه الظروف الاستثنائية التي تعيشها غزة؛ لأنهم لم يصنعوا وجاهتهم بأنفسهم، الناس هي التي صنعت مكانتهم، وأعمالهم هي التي منحتهم اللقب، وتاريخهم ومواقفهم هي التي تشهد لهم ، أما كتابة كلمة (مختار) أو (وجيه) قبل الاسم فلا تصنع مختارًا ولا وجيهًا، هم لصوص الألقاب والمسميات ، والمجتمع ليس بحاجة إلى مزيد من الألقاب بل إلى من يعمل بصدق، وينصر المظلوم، ويمنع الفتنة، ويحفظ كرامة الناس ، أما تحويل الألقاب إلى وسيلة للنفوذ الشخصي والاستعراض والشهرة، فهو أمر يجب رفضه بوضوح، هؤلاء ليسوا أصحاب وجاهة بل إنهم لصوص ألقاب ومسميات ، فثقة الناس لا تُسرق، ولا تُفرض، ولا تُشترى ، ونحن نتقدم إلى الأمام نحو مجتمع مدني ومؤسسات وسيادة قانون، ولا ينبغي أن يتحول ضعف الدولة المؤقت إلى فرصة لصناعة سلطات اجتماعية شخصية دائمة.
نحن بحاجة إلى عرفٍ ينصف لا يظلم، وعشيرةٍ تحمي لا تتسلط، ومختارٍ يصلح لا يستعرض، ووجيهٍ يجمع الناس لا يفرقهم
فلا قداسة للقب، ولا قيمة لمسمى بلا مضمون، ولا وجاهة بلا قبول الناس، ولا إصلاح بلا عدالة ، فالناس تعرف من أصلح ومن أفسد، ومن وقف مع المظلوم ومن وقف مع القوي، ومن أطفأ الفتنة ومن أشعلها، وتعرف جيدًا الفرق بين وجيه صنعته مواقفه، ووجيه صنعه برنامج التصميم والذكاء الاصطناعي ؛
لذلك نقول لهؤلاء تقدموا معنا إلى عصر المدنية، ولا تكابروا من أجل الشهرة والاستعراض، فالمختار الحقيقي تختاره الناس، والوجيه الحقيقي تشهد له مواقفه، والمصلح الحقيقي يُعرف من أثر إصلاحه ، وبقدرته على إغلاق أبواب الفتنة والاقتتال الداخلي، فاليوم نحن أحوج ما نكون إلى الوحدة، وتماسك النسيج الوطني، وتغليب صوت العقل والحكمة بعيدًا عن الانقسام والحرب الأهلية، حفظ الله غزة وأهلها، وحمى الشعب الفلسطيني من كل فتنة، وكتب لفلسطين الأمن والسلام والحرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com