من تبريد الصراع إلى هندسة المنطقة… بقلم: د.عبدالرحيم جاموس

منذ حرب أكتوبر 1973 دخل الصراع العربي–الإسرائيلي مرحلة مختلفة. فقد انتقلت السياسة الأمريكية تدريجياً من محاولة كسر الجمود إلى إدارة الصراع وتبريد جبهاته وتجزئة مراحله. وكانت دبلوماسية كيسنجر واتفاقات فصل القوات، ثم كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية، محطات رئيسية في هذا التحول. وتؤكد الوثائق الأمريكية أن اتفاقات فصل القوات بعد حرب 1973 كانت نهجاً مرحلياً، فضّلته إدارة كيسنجر على التسوية الشاملة في تلك المرحلة.

لكن المشكلة أن تبريد الحرب لم يكن إنهاءً للصراع.

خرجت جبهات عربية من المواجهة المباشرة، بينما بقي الاحتلال، وبقي الاستيطان، وبقيت فلسطين بلا حل. ثم أخذت المنطقة، جيلاً بعد جيل، تُسحب إلى صراعات أخرى: الحرب العراقية–الإيرانية، حرب الخليج، الحرب على الإرهاب، الحروب والانقسامات الداخلية، صعود إيران وأذرعها، ثم المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية، وأخيراً الحوثيون والبحر الأحمر.

وهنا ينبغي أن نتوقف أمام جوهر المسألة.

المؤامرة ليست بالضرورة أن كل حرب صُنعت في غرفة واحدة، وإنما أن المنطقة أُعيد ترتيبها بحيث تصبح نتائج الصراعات المتعاقبة في خدمة مسار واحد: إبعاد فلسطين عن مركز الاهتمام العربي، وإحلال صراعات أخرى محلها.

فكلما أُغلقت جبهة، فتحت المنطقة جبهة أخرى؛ وكلما خفت حضور الاحتلال في الوعي السياسي العربي، تقدم خطر آخر إلى الواجهة: إيران، الإرهاب، الميليشيات، أمن الخليج، الملاحة، الطاقة، البحر الأحمر.

وهكذا لم يتغير فقط موضوع الصراع، بل تغيرت بوصلة الصراع.

لم يعد السؤال العربي المركزي: كيف ننهي الاحتلال ونستعيد الحقوق الفلسطينية؟
أصبح السؤال: كيف نواجه إيران؟ كيف نحتوي الحوثيين؟ كيف نحمي الملاحة؟ كيف نحمي الطاقة؟ وكيف نبني منظومة أمن إقليمية جديدة؟

وهنا وقع التحول الأخطر: إعادة تعريف العدو، ثم إعادة تعريف الحليف.

فحين تتقدم إيران إلى موقع الخطر الأول، ويصبح الحوثي عنواناً للتهديد في البحر الأحمر، يصبح من السهل إعادة تقديم “إسرائيل” باعتبارها قوة يمكن التعاون معها في مواجهة الأخطار المشتركة، بدلاً من بقائها القوة القائمة بالاحتلال والاستيطان.

وهنا تحديداً تتسع الهوة بين حقيقة الصراع والصورة التي يراد له أن يظهر بها.

فإيران ليست فلسطين، والحوثي ليس الاحتلال، وأمن البحر الأحمر ليس القدس، ومواجهة النفوذ الإيراني لا تعني أن الاحتلال أصبح مشروعاً أو أن القضية الفلسطينية فقدت مركزيتها.

بل الأخطر أن يتحول الخطر الجديد إلى أداة لطمس الخطر الأصلي.

لا أحد يستطيع إنكار المخاطر التي يمثلها التصعيد الإيراني أو الحوثي على دول المنطقة، ولا سيما السعودية وأمن الخليج والملاحة. وقد تصاعدت بالفعل الهجمات الحوثية على مدن ومنشآت سعودية، بالتزامن مع تحركات على ساحل البحر الأحمر وباتجاه باب المندب، بما يضيف بعداً جديداً إلى الصراع الإقليمي.

لكن السؤال الذي يجب ألا يغيب هو: ماذا يحدث للقضية الفلسطينية عندما يصبح كل شيء أمنياً، إلا الاحتلال؟

هنا يكمن جوهر المؤامرة.

أن تتحول القضية الفلسطينية من قضية احتلال وحقوق وطنية وتحرر واستقلال إلى مجرد ملف إنساني أو تفاوضي، بينما تتحول بقية الملفات إلى قضايا أمن قومي إقليمي ودولي.

وأن تتحول “إسرائيل” من جزء من المشكلة إلى جزء من منظومة الحل الأمني.

وأن يصبح التطبيع ليس ثمناً لإنهاء الاحتلال، وإنما ثمناً لمواجهة أخطار أخرى.

هذه ليست مسألة لغوية؛ إنها إعادة هندسة للمنطقة ووعيها السياسي.

وتظهر هذه المعادلة في المسار الأمريكي–السعودي الراهن. فالرئيس ترامب قال إن الاتفاق النووي المدني المقترح مع السعودية مرتبط بالتطبيع مع “إسرائيل”، بينما لا يتضمن نص الاتفاق المنشور شرطاً صريحاً بذلك، ولا تزال تفاصيل الاتفاق وبعض الوثائق المرتبطة به موضع مراجعة في الكونغرس.

وهذا التفصيل مهم؛ لأنه يكشف أن التطبيع لم يعد يُطرح فقط باعتباره علاقة سياسية بين دولتين، بل باعتباره جزءاً من هندسة أمنية واستراتيجية أوسع للمنطقة.

وهنا تتضح حلقات المسار:

تبريد الصراع منذ 1973؛ ثم تجزئته؛ ثم استنزاف المنطقة بصراعات متلاحقة؛ ثم نقل مركز الخطر من الاحتلال إلى أخطار أخرى؛ ثم إعادة تعريف العدو والحليف؛ ثم تقديم “إسرائيل” بوصفها شريكاً في الأمن؛ ثم جعل التطبيع جزءاً من النظام الإقليمي الجديد.

وهذا هو الشرخ الذي ينبغي كشفه:
شرخٌ بين فلسطين التي يفترض أن تكون أصل القضية، وبين الصراعات التي يجري تقديمها باعتبارها أصل المشكلة.

فإذا نجح هذا التحول، فلن يكون المطلوب من المنطقة أن تنسى فلسطين تماماً؛ بل يكفي أن تتعامل معها باعتبارها قضية مؤجلة، بينما تصبح حماية النظام الإقليمي الجديد هي الأولوية العاجلة والدائمة.

وعندها يصبح الاحتلال هو المستفيد الأكبر من الزمن.

ولهذا فإن مواجهة إيران أو الحوثيين، وحماية السعودية والخليج والبحر الأحمر، ليست موضع اعتراض؛ بل هي حقوق ومصالح عربية مشروعة. لكن الخطأ الاستراتيجي هو أن تتحول مواجهة هذه الأخطار إلى بوابة لإعادة تأهيل الاحتلال وإدماجه في النظام العربي قبل إنهائه.

فالخطر الإيراني لا يمحو الاحتلال، والحوثي لا يمحو فلسطين، والبحر الأحمر لا يمحو القدس، وأمن الخليج لا ينبغي أن يكون بديلاً عن الأمن القومي العربي والحقوق الوطنية الفلسطينية.

إن القضية ليست أي خطر نواجه أولاً؛ القضية ألا نسمح للخطر المستجد بأن يُستخدم لطمس الخطر الأصلي.

فالسلام الذي يتجاوز فلسطين لن ينهي صراع المنطقة؛ والتطبيع الذي يسبق إنهاء الاحتلال لن يكون خاتمة للصراع، وإنما إعادة ترتيب له على نحو يؤجل جذوره ويمنح الاحتلال زمناً جديداً.

ومن هنا يجب أن تبقى الرسالة واضحة:

نواجه إيران حين تهدد أمننا، ونواجه الحوثي حين يهدد أمننا، ونحمي الخليج والبحر الأحمر ومصالحنا العربية؛ لكننا لا نفعل ذلك على حساب فلسطين، ولا نجعل من هذه الأخطار جسراً إلى تطبيع الاحتلال، ولا نقبل أن تتحول إعادة ترتيب المنطقة إلى إعادة ترتيب للحق الفلسطيني نفسه.

ففلسطين ليست ملفاً من ملفات الأمن الإقليمي.

فلسطين هي القضية التي لم تُحل، والاحتلال هو الصراع الذي لم ينتهِ؛ وكل مشروع يتجاوز هذه الحقيقة لا ينهي الصراع، وإنما يعيد هندسته.

د. عبد الرحيم جاموس
18/9/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com