البحث العلمي جسرًا لنهضة الأمم.. إشادة أكاديمية بإصدار الباحثة مي موسى النتشة من جامعة بوليتكنك فلسطين

رام الله- البيادر السياسي ـ  يمثل البحث العلمي أحد أهم المرتكزات التي تستند إليها نهضة الأمم وتقدم المجتمعات، فلم تعد مكانة الدول تقاس بما تمتلكه من موارد مادية فحسب، وإنما بما تنتجه من معرفة، وما توفره من بيئة قادرة على تحويل هذه المعرفة إلى قوة فكرية وإبداعية تسهم في صناعة المستقبل.

فالتقدم العلمي والثقافي والحضاري هو، في جوهره، نتاج تراكم بحثي ومعرفي تتكامل فيه جهود الباحثين والمؤسسات الأكاديمية ومراكز البحث. وفي هذا السياق، تبرز الجامعة بوصفها الحاضنة الأهم للبحث العلمي، بحيث يتجاوز دورها حدود التدريس واستهلاك المعرفة إلى الإسهام الفاعل في إنتاجها وتطويرها ونشرها.

وتتحمل الكليات ذات العلاقة مسؤولية مهمة في تطوير الباحثين والدارسين داخل أسوار الجامعة، وتوجيههم نحو القضايا المعاصرة في مجالات تخصصهم، وتسليط الضوء على مناطق النقص والفجوات البحثية ببعدها العالمي، وليس المحلي فقط، والعمل على إعداد باحثين قادرين على الإسهام في المشهد البحثي والعلمي ببعده الإنساني، والمشاركة الفاعلة في إنتاج المعرفة بوجهيها النظري والتطبيقي

وتزداد أهمية هذا الدور في مجالات الفنون والتصميم، التي تعد نسبياً حقلاً بحثياً حديثاً في أروقة الجامعات العربية، فضلاً عن اتساع تخصصاتها وتفرعاتها وتداخلاتها، وتشابكها مع المنطلقات النظرية والفكرية والفلسفية، وتأثرها بالمتحولات والإزاحات الفكرية والعلمية المتسارعة خلال العقود الأخيرة. وهو ما يفرض تحدياً بحثياً واسعاً، تتقاطع فيه الدراسات الفنية والتصميمية مع مجالات الثقافة والسياسة والعلوم والتاريخ والفلسفة والتكنولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا وغيرها.

من البحث الأكاديمي إلى منتج معرفي

من هذا المنطلق، تأتي تجربة الأكاديمية والباحثة مي موسى النتشة، من كلية الفنون والتصميم في جامعة بوليتكنك فلسطين، نموذجاً على إمكانية انتقال البحث الأكاديمي من صورته الجامعية إلى منتج معرفي وثقافي قادر على إثارة الحوار وتوسيع دائرة الاهتمام بالبحث في حقل الفنون والتصميم.

فمنذ أن نُشر بحثها الذي قدمته لكلية الدراسات العليا والبحث العلمي في الجامعة لنيل درجة الماجستير في تخصص الوسائط المتعددة، في كتاب صدر خلال شهر أيار الماضي، بعنوان «التغليف المعاصر: مقاربة جمالية ما بعد حداثية»، والصادر في عمّان عن دار خطوط وظلال للنشر، حظي الإصدار باهتمام أكاديميين وباحثين عرب ذوي حضور ونشاط أكاديمي بارز، إلى جانب صحفيين مهتمين بالشأن الثقافي

وعلى صفحات عدد من المنصات الإعلامية والثقافية، تناول أكاديميون وباحثون الإصدار بالقراءة والتحليل، من بينهم رئيس قسم التصميم والفنون التطبيقية في جامعة اليرموك، الدكتور عاصم عبيدات، الذي نشر مقالاً بعنوان «التصميم كخطاب معرفي – مراجعة في كتاب التغليف المعاصر»، مشيداً بأهمية الإصدار وقيمته العلمية التي تتجاوز حقل التغليف إلى مختلف مجالات التصميم والفنون التطبيقية.

ورأى عبيدات في الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية وللباحثين في مجالات التصميم بمختلف أشكاله، معتبراً أنه يمثل مساهمة في تحليل البنى المعرفية والفلسفية وانعكاسها في فكر المصمم ومنتجه، كما يكشف عن عمق البعد الفلسفي في التصميم وتأثره بالتطور المعرفي والفكري والحضاري.

وفي قراءة حملت عنوان «التغليف المعاصر.. حين يتحول الغلاف إلى خطاب جمالي»، رأى أستاذ التصميم والناقد الثقافي في جريدة أخبار اليوم المصرية، الدكتور طارق عبد العزيز، أن الإصدار يسعى إلى إعادة تعريف تصميم التغليف، والانتقال به من كونه وظيفة تجارية مرتبطة بحماية المنتج وترويجه، إلى اعتباره خطاباً بصرياً وثقافياً يحمل دلالات جمالية وفكرية واجتماعية.

كما رأى عبد العزيز أن الكتاب إصدار علمي يجمع بين الفلسفة والجماليات والتاريخ والفن والتصميم والتكنولوجيا، ويطرح رؤية تعتبر المصمم «مفكراً بصرياً» يقرأ المجتمع وتحولاته، ثم يحولها إلى لغة تصميمية.

اشادات أكاديمية من العالم العربي

وفي تقييم علمي مطول للكتاب، تناول الأكاديمي الدكتور إياس العباس، من قسم الجرافيك في كلية الفنون بجامعة الأمين في بغداد، ما يقدمه الإصدار من إضافة في حقل التنظير الجرافيكي العربي.

ووصف العباس كتاب الباحثة الفلسطينية مي موسى النتشة بأنه إضافة نوعية للمكتبة العربية التي تعاني من شح المراجع الأكاديمية المتخصصة في فلسفة التصميم الجرافيكي، معتبراً أنه يمثل إضافة مهمة إلى الأدبيات العربية المتعلقة بنظرية التصميم.

وأشار إلى أن الكتاب يقدم نموذجاً لتحويل الأبحاث والرسائل الأكاديمية إلى كتب فكرية متاحة للمصممين والباحثين وطلاب الفنون والتصميم، معتبراً أن تحويل الرسالة العلمية إلى كتاب ونشرها عبر دار متخصصة يمثل إسهاماً في رفد ثقافة التصميم العربي بنقد تحليلي، يعيد للمصمم دوره بوصفه «مفكراً بصرياً» وليس مجرد منفذ تقني.

من جهته، تناول الكاتب الفلسطيني والباحث في الشأن الثقافي الأستاذ يوسف الشايب الكتاب تحت عنوان «التغليف المعاصر: عندما يغدو هيكل المنتج نصاً فلسفياً»، مستعرضاً فصوله وما تضمنته من مفاهيم وإضافات في مجال البحوث الفنية والتصميمية.

وخلص الشايب إلى اعتبار كتاب النتشة «وثيقة تأسيسية وأكاديمية» تسهم في رفع وعي المصمم والباحث العربي، وتنقله من ممارسة التصميم بوصفه مهارة تقنية وتجارية إلى ممارسته فعلاً فكرياً وجمالياً واعياً، كما تمنح الدارسين والمهتمين بالصورة والبصريات أدوات نقدية وفلسفية تساعدهم على قراءة وتفكيك الخطابات البصرية المتوارية خلف غلاف المنتج في عصر العولمة والرقمنة.

كما عرض موقع «أبجد»، المهتم بالكتب العربية، قراءة لمحتويات الكتاب وأهدافه وقيمته العلمية، مسلطاً الضوء على ما يتضمنه الإصدار من موضوعات وأفكار في مجال التصميم والتغليف.

تجربة بحثية تعكس دور برنامج الوسائط المتعددة

وتأتي هذه الشهادات والقراءات العلمية في سياق أوسع، يعكس تجربة برنامج الوسائط المتعددة في كلية الدراسات العليا والبحث العلمي في جامعة بوليتكنك فلسطين، والذي بدأ منذ عام 2021 بوصفه برنامجاً متفرداً فلسطينياً، وبنظرة علمية منفتحة على القضايا العصرية في مجال الوسائط المتعددة والجرافيك.

ومنذ انطلاقه، طمح البرنامج إلى الإسهام الفاعل في تأسيس وإعداد باحثين واعدين في هذا الحقل المعرفي، وتمكينهم من الحضور والمشاركة في المشهد البحثي، بما يعزز دور البحث الأكاديمي في مجالات الفنون والتصميم والوسائط المتعددة، ويفتح أمام الباحثين الفلسطينيين مساحة أوسع للحضور والتفاعل على المستويين العربي والعالمي.

وفي هذا السياق، تمثل تجربة الباحثة مي موسى النتشة مثالاً على المسار الذي يمكن أن تسلكه الرسالة الجامعية، حين تنتقل من إطارها الأكاديمي إلى كتاب متاح للباحثين والمهتمين، بما يوسع دائرة تداول المعرفة، ويفتح المجال أمام النقاش العلمي حول قضايا الفنون والتصميم وتحولاتهما المعاصرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com