لا أجيد البكاء

بقلم د. كمال الحداد _ فلسطين
الليلُ يَسرِقُ مَا جَمَعْنَا.
وَفي الصَّباحِ، نَعودُ كَمَا كُنَّا
نَلْتَقِطُ أصْواتَنَا المَنْسِيَّةَ،
كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ، رَحَلَتْ…
حَيْثُ لَا رَحِيل.
هِيَ فَقَطْ، كَكُلِّ الأشْيَاء،
لَا تَمْنَحُ غَيْرَ خِيَارَيْن:
إِمَّا أَنْ تَبْقَى هُنَا،
وَإِمَّا أَنْ تَبْقَى…
كَأَنَّكَ وَاحِدٌ؛
وكأنك ظِلٌِّ يَسْكُنُ جَسَدَيْن.
مَشَيْنَا طَوِيلًا ثُمَّ انْعَطَفْنَا.
لَا فَرْقَ إِنْ دَخَلْنَا أَوْ خَرَجْنَا.
كَتَبْنَا عَلَى الهَوَاء،
أَوْ مَسَحْنَا القَدِيمَ المَنْسِيَّ
ثُمَّ عُدْنَا نَجْتَرُّ رَحِيلَنَا،
وَنَجْتَرُّ الذَّاتَ.
ثَمَّةَ شَيْءٌ هُنَاكَ،
يُوَازِي المُمْتَدَّ،
في ظِلِّنَا،
في لَحْمِنَا،
في عُنُقِنَا،
في عُمْقِنَا،
في آخِرِنَا … حِينَ يَحْمِلُ صَوْتَنَا.
نَسْمَعُ بَعْضَنَا وَنَحْنُ:
نُخْرِجُ اليَاسَمِينَ، مِنْ طُوفَانِ الغباء،
وَنُسَيِّجُ لِلبَنَفْسَجِ،
بَعْضًا مِمَّا عَشِقْنَاهُ،
وَنُعَانِقُ أَرْوَاحَنَا
حِينَ تَهْبِطُ مِنَ السَّمَاءِ.
يَا أَنْتَ، انْتَظِرْ قَلِيلًا.
لَا تَأْخُذْنِي.
لَا أُجِيدُ البُكَاءَ،
لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَبْكِي.
لَمْ أَتَعَلَّمْهُ،
كَأَنَّهُ الغَائِبُ البَعِيدُ،
وَكَأَنِّي أَنَا الوحيد
أُرَتِّبُ الوَقْتَ،
وَأَكْتُبُ عَلَى ذَاكِرَتِي
كُلَّ الأَسْمَاءِ.
سَيَمُرُّ الآخَرُونَ،
يَقْرَأُونَ مَا كَتَبْتُ،
يَأْخُذُونَ بَعْضًا مِنْ غُبَارِي،
وَمِنْ ظِلِّي،
لِيَرْسُمُوا حُلْمِي عَلَى صُبْحٍ مَوْعُودٍ
انْتَظَرْتُهُ.
يَا عُرَاةَ الْمَدِينَةِ لَا تَنَامُوا
لَا تَأْكُلُوا حَرْفَي
وَلَا تَمْضَغُوا كَلَامِي
أَنَا صَوْتٌ مُرٌّ
حِينَ كَسَا الْفقد أَكفاني
فأنَا الْمَصْلُوبُ
حِينَ تَاهُوا عَنِّي
وَمِنِّي تَقْطُرُ الْحَيَاةُ… مِنِّي



