غريب عسقلاني يعود بوجه آخر… أم أن كليلة ودمنة تحضر في الواقع الفلسطيني؟

بقلم: شريف الهركلي

الصحافة صاحبة الجلالة؛ فتاة تعشق الحقيقة، وثوبها أبيض لا يليق به إلا الحبر الصادق. حاول الاحتلال تدنيس هذا الثوب بالرقابة والقمع والاغتيال، لكنها بقيت مرآة الفلسطيني حين غابت المرايا، وحين أصبحت الكلمة فعلاً من أفعال المقاومة.
لهذا استوقفني اليوم اسم غريب عسقلاني، الكاتب والروائي الفلسطيني الراحل، الذي عرفه القراء بهذا الاسم الأدبي، بينما كان اسمه الحقيقي إبراهيم الزنط. لم يكن الاسم المستعار مجرد قناع، بل ارتبط بمرحلة سياسية وثقافية فرضت على الكاتب الفلسطيني أن يناور كي يحافظ على حقه في الكتابة، وأن يحمل وطنه في روايته تحت عين الرقيب.
كان غريب عسقلاني يكتب في زمن الاحتلال، فتخفّى خلف الاسم، لكنه لم يخفِ الحقيقة.
واليوم، وأنا أتصفح الفضاء الأزرق، أجد كتّاباً فلسطينيين يكتبون بأسماء مستعارة، فأقول: لعل غريب عسقلاني عاد من قبره، ولكن بوجه آخر!
غير أن المفارقة موجعة.
غريب اختبأ من الاحتلال، أما بعض كتّاب اليوم فيختبئون من الخوف داخل البيت الفلسطيني. يكتبون بلغة الرمز، ويلجأون أحياناً إلى أسلوب يشبه كليلة ودمنة؛ حكايات وأقنعة ورموز تقول ما يعجز صاحبها عن قوله باسمه الصريح.
وفي المشهد المقابل، هناك من يكتب وفق إيقاع حزبه، يدندن على النغمة نفسها وينفخ في أبواقها، حتى تصبح الكتابة أحياناً أقرب إلى التصفيق منها إلى النقد.
وليس عيباً أن ينتمي الكاتب إلى حزب أو تيار؛ فالانتماء حق، والاختلاف حق، والنقد حق. لكن الخطر يبدأ عندما يفقد الكاتب حقه في السؤال، أو يصبح القلم أسيراً للخوف.
وهنا أتساءل: أيهما أخطر؛ الخوف من العدو، أم الخوف من صديق يعزف سمفونية الوطن ولا يحتمل اختلاف النغمة؟
قال طرفة بن العبد:
وظُلمُ ذوي القُربى أشدُّ مضاضةً
على المرءِ من وقعِ الحُسامِ المُهنَّدِ
وقال أبو القاسم الشابي:
ومن يتهيبْ صعودَ الجبالِ
يعشْ أبدَ الدهرِ بينَ الحُفَرِ
وبين البيتين مساحة واسعة من الأسئلة الفلسطينية: هل يستطيع الكاتب أن يكون وفياً لوطنه من دون أن يكون أسيراً لحزب؟ وهل نستطيع حماية الرواية الفلسطينية إذا خاف أصحابها من قول ما يرونه؟
من هنا أستحضر قلعة الرواية الفلسطينية، الفكرة القائمة في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، والتي تضم الصحفيين والناشطين الإعلاميين والكتاب والروائيين والشعراء والفنانين، وكل صاحب كلمة يؤمن بأن الثقافة جبهة من جبهات الدفاع عن فلسطين.
فالرواية الفلسطينية ليست ملكاً لفصيل أو حزب؛ إنها ذاكرة شعب، وحكاية وطن، وشهادة أجيال.
ومن داخل هذه القلعة، يبقى صوت غسان كنفاني حاضراً؛ ذلك الصوت الذي علّمنا أن الصمت ليس قدراً، وأن على من يملك الحكاية أن يطرق جدران الخزان. «دقوا جدران الخزان»؛ وكأن الدق اليوم لا يأتي من الكاتب وحده، بل من الصحفي والروائي والشاعر والفنان، ومن المواطن الفلسطيني الذي يرفض أن يُدفن صوته تحت ركام الصمت.
والاحتلال يعرف قيمة هذه الذاكرة، ولذلك حاربها بالقتل والاعتقال والمنع وملاحقة الصحفيين والكتاب والفنانين. ويكفي أن نستحضر اغتيال ناجي العلي، صاحب «حنظلة»، لندرك أن الرصاص لم يكن دائماً موجهاً إلى البندقية؛ أحياناً كان موجهاً إلى القلم والرسم والصورة.
ولهذا فإن حماية أصحاب الكلمة ليست ترفاً ثقافياً، بل حماية لجبهة فلسطينية كاملة.
من يحمي الرواية الفلسطينية من بطش الظلام؟
ومن يحمي الكاتب عندما يصبح اسمه أخطر من كلماته؟
إن أصوات قلعة الرواية الفلسطينية يجب أن تُعامل باعتبارها ساحة نضالية فلسطينية؛ لأنها تدافع عن الذاكرة والحقيقة والهوية، وعن حق الفلسطيني في أن يروي حكايته بنفسه.
غريب تخفّى من الاحتلال، واليوم يتخفّى بعض أصحاب القلم من غربانٍ تحوم حول الكلمة الفلسطينية.
يا غريب… هل أتعبك هذا التحول التاريخي؟
كنتَ تخشى رقيب الاحتلال، أما بعضنا اليوم فيخشى رقيباً من داخل البيت.
فهل أصبح الكاتب الفلسطيني بحاجة إلى غريب عسقلاني جديد، كي يقول الحقيقة باسمٍ مستعار؟
دقوا جدران الخزان… فالرواية الفلسطينية لا تموت، والكلمة التي تحرس الذاكرة لا ينبغي أن تخاف من أحد.
وداعاً غريب عسقلاني… وأهلاً بالكلمة الفلسطينية التي لا تحتاج إلى قناع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com