مدرسة النور.. مدرسة الشعر المتنقلة بين خيام النازحين

بقلم: شريف الهركلي

في مواصي خانيونس، في منطقة فش فرش على مشارف شاطئ غزة، تتسلل الشمس بين خيام النازحين، فيما يلمع وميض من نوع آخر؛ إنه نور الكلمة، حيث تحاول مجموعة من الشعراء أن تصنع من الخيمة مدرسة، ومن النزوح مساحة للتعلم والإبداع.
هنا، ولدت فكرة «مدرسة النور لتعليم الشعر والأدب»، وهي مدرسة متنقلة بين مخيمات النزوح، يقودها مجموعة من الشعراء، بينهم فايز صالحة، خالد الشيخ عيد، سالم الدبجي، مصطفى أبو عمرة، ومصلح أبو غالي، إلى جانب مشاركة الفنان التشكيلي جهاد إشرافي، الذي يساهم في تعليم الأطفال فنون الرسم والإبداع.
وفي مخيم بدر، عشت لحظات من لقاء دافئ مع الأطفال، ولاحظت شغفهم الواضح ورغبتهم الحقيقية في تعلم الشعر والاقتراب من عالم الكلمة. كانت عيونهم تقول إن الحرب لم تستطع أن تطفئ الرغبة في الحياة، وأن الطفل الفلسطيني ما زال يبحث عن نافذة يرى منها مستقبله.
في المخيمات مواهب كثيرة غطّاها غبار الحرب، لكنها تشبه اللؤلؤ؛ يكفي أن نمسح عنها الغبار حتى تعانق عيونها البريق من جديد.
تركز مدرسة النور على تعليم اللغة العربية، والبلاغة، والنحو والصرف، إلى جانب أسس كتابة الشعر بمختلف ألوانه وأشكاله، مع فتح مساحة للفنون التشكيلية باعتبارها لغة أخرى للتعبير والإبداع.
ولا تقتصر الفكرة على تعليم الشعر بوصفه فنًا، بل تتجاوز ذلك إلى صناعة جيل جديد من الشعراء والفنانين القادرين على حمل الرواية الفلسطينية وحمايتها من النسيان. فالكلمة في زمن الحرب ليست ترفًا، والفن ليس هامشًا، بل جزء من معركة الوعي والذاكرة.
من جانبه، أكد ساهر عايش، مندوب المخيم، استعداده للتعاون مع مدرسة النور لتعليم الشعر والأدب، وتوفير الأجواء المناسبة لإنجاح الدورة، إيمانًا بأهمية احتضان مواهب الأطفال والشباب في مخيمات النزوح.
وفي غزة، قد تُقتلع الخيمة، ويغيب الدفتر، ويضيع القلم بين الركام، لكن القصيدة تستطيع أن تبقى.
من هنا تأتي أهمية مدرسة النور؛ فهي لا تعلّم الأطفال كيف يكتبون بيتًا شعريًا فحسب، بل تمنحهم فرصة ليكتبوا ذاكرتهم بأيديهم، ويقولوا للعالم إن غزة، رغم الحرب والنزوح، ما زالت قادرة على إنجاب الشعراء والفنانين.
قد تبدأ الحكاية من خيمة صغيرة في فش فرش، لكنها لا تنتهي عند حدودها؛ فكل طفل يحمل قلمًا هو مشروع حكاية، وكل قصيدة تولد في خيمة قد تصبح حجرًا جديدًا في قلعة الرواية الفلسطينية.
حين تضيق الأرض بالشاعر، تصبح الخيمة وطنًا للكلمة، وحين تحاول الحرب أن تطفئ الذاكرة، ينهض الشعر ليقول: نحن هنا، وسنبقى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com