الشطب السياسي واختبار المحكمة العليا للديمقراطية الإسرائيلية.. بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تدخل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة اختباراً جديداً لطبيعة العلاقة بين الديمقراطية والمحددات الأيديولوجية للنظام السياسي الإسرائيلي، بعد قرار لجنة الانتخابات المركزية شطب رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي سامي أبو شحادة، إلى جانب قرارات أخرى طالت مرشحين وقوائم عربية. وقد صوّتت اللجنة بأغلبية 30 عضواً مقابل أربعة على شطب أبو شحادة، فيما اتخذ رئيس اللجنة، قاضي المحكمة العليا نُعَم سولبرغ، موقفاً استثنائياً بالتصويت لصالح الشطب.
المسألة هنا تتجاوز شخص المرشح، لتطرح سؤالاً دستورياً وسياسياً أوسع: ما حدود حرية التعبير والمشاركة السياسية عندما تتعارض مع الإجماع الصهيوني السائد؟
استند طلب الشطب، الذي قدمه حزب «عوتسما يهوديت» بزعامة إيتمار بن غفير، بصورة أساسية إلى مقال نشره أبو شحادة في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إضافة إلى مواقف نسبت إليه بشأن طبيعة الدولة والصراع. وقد نفى أبو شحادة تأييده لحماس أو للعنف السياسي، وأعلن إدانته لهجوم السابع من أكتوبر، كما أقر خلال جلسة اللجنة بأن مقاله لم يكن ينبغي أن يُكتب بهذه الصيغة.
من المنظور القانوني، تكمن أهمية القضية في أن الشطب لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لمعاقبة المواقف السياسية أو التعبير المختلف، بل يجب أن يستند إلى معايير قانونية واضحة وأدلة متماسكة وعتبة مرتفعة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحرمان جمهور من التمثيل السياسي.
واللافت أن قرار اللجنة ليس نهاية المسار؛ إذ يتطلب نفاذ قرارات شطب المرشحين والقوائم موافقة المحكمة العليا، التي ستبحث مدى انطباق الشروط القانونية على الوقائع والأدلة المعروضة. كما أن المحكمة سبق أن نقضت قرارات شطب صدرت عن لجنة الانتخابات في قضايا سابقة.
وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة: المحكمة لا تختبر فقط أهلية مرشح بعينه، بل تختبر حدود الديمقراطية السياسية وحرية التعبير والمشاركة العربية داخل النظام الانتخابي الإسرائيلي.
إن تحويل واقعة أو مقال منفرد إلى أساس لاستبعاد مرشح من الانتخابات يفتح نقاشاً جدياً حول معيار الاستمرارية والسياق والنية والأدلة، وحول ما إذا كان العقاب الانتخابي يتناسب مع الفعل المنسوب إلى المرشح.
وفي المقابل، فإن حماية حرية المشاركة السياسية لا تعني إعفاء أي مرشح من المسؤولية عن تصريحاته؛ بل تعني أن يكون الحسم قضائياً، معللاً، قائماً على القانون والأدلة، وليس على التوازنات السياسية داخل لجنة انتخابية.
لذلك، فإن قضية أبو شحادة أصبحت اختباراً حقيقياً للمحكمة العليا: هل تبقى قواعد المشاركة السياسية ثابتة عندما يكون المتهم بالشطب عربياً وموقفه السياسي مثار خلاف حاد، أم تتسع دائرة الاستثناءات في مرحلة سياسية وأمنية شديدة الاستقطاب؟
إن الديمقراطية تُقاس قبل كل شيء بقدرتها على حماية حق المختلف في التعبير والمشاركة ضمن القانون، لا بقدرتها على إقصاء الأصوات التي لا تنسجم مع المزاج السياسي السائد.



