ما بين الحذاء والغياب

بقلم/
نبيلة اسبيتان

في أحد البيوت،
كان هناك حذاء صغير.
حذاءٌ واحد.
أما الآخر،
فكان ينتظر صاحبه في مكان لا يعرفه أحد.
ظلّ عند عتبة الباب،
يحفظ شكل القدم التي غادرت،
ويحرس غيابها
كما تحرس الأمهات أسرارهن في الليل.
وفي مكان آخر،
كانت كرةٌ صغيرة تدور وحدها في زاوية الغرفة.
دفعتها الريح،
فتدحرجت قليلًا،
ثم توقفت،
كأنها بلغت منتصف لعبة
ونسي الجميع أن يكملوا.
كان هناك طفلٌ
كان يركض خلفها ذات يوم،
ثم ترك ساقه في مكان ما
بين صرخةٍ وانفجار.
ومنذ ذلك اليوم،
صارت الكرة أكثر حكمة من اللازم؛
لم تعد تركض،
واكتفت بأن تنتظر.
والحذاء أيضا كان ينتظر.
كأن الأشياء الصغيرة في غزة
تعلمت لغة الغياب قبل أهلها.
أما الأمهات،
فكنّ يعرفن أكثر من الجميع.
يضعن أبناءهن في أسرّتهم،
ثم يسحبن الغطاء فوق الأجساد التي تغيّر شكلها،
بحركة أمومية قديمة،
كأن أصابعهن قادرة على خداع الحقيقة،
وكأن قطعة قماش واحدة
يمكن أن تعيد للجسد ما أخذته الحرب.
تسحب الأم الغطاء قليلًا،
فتظهر الحقيقة.
تسحبه أكثر،
فتظهر الحقيقة.
فتعود وتغطيه.
ليس لأنها لا تريد أن ترى،
بل لأنها تريد، ولو لثوان قليلة،
أن تمنح ابنها جسدا كاملا
تحت الغطاء.
ثم تجلس إلى جواره،
وتضع يدها على رأسه،
وتبقى مستيقظة.
الحذاء عند الباب،
والكرة في الزاوية،
والأم إلى جوار السرير…
ثلاثة أشياء صغيرة
تنتظر شيئًا واحدًا:
أن يعود الصباح
بلا خبر جديد.
لكن الصباح في غزة
كان يأتي دائما متأخرا،
ويحمل في يده
ظلَّ ليلٍ طويل.
وربما، حين تنتهي الحرب يومًا،
سيعود الطفل إلى عتبة البيت،
وقد يتوقف طويلًا أمام حذائه الصغير.
وقد تدور الكرة من جديد.
وقد تسحب الأم الغطاء عن ابنها
دون أن تخاف مما ستراه.
وربما…
سيبقى الحذاء ينتظر،
والكرة في زاوية الغرفة،
والأم تحدّق في الباب،
كأنها تعرف أن بعض الأشياء
حين تأخذها الحرب،
لا تعود بالطريقة التي ذهبت بها.
وحينها فقط،
سنسأل:
هل يكفي أن تنتهي الحرب
كي تبدأ الطفولة من جديد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com