هل بدأ التضامن العالمي يتحول إلى قوة سياسية من أجل فلسطين؟

بقلم الدكتور : عبدالرحيم جاموس

أكثر من 200 منظمة في أكثر من 60 دولة تتحرك في القارات الست

لم تعد قضية فلسطين شأناً إقليمياً محصوراً في حدود جغرافية محددة، ولا قضية تضامن موسمي تخرج من أجلها الجماهير في عواصم العالم ثم تنصرف. فالمشهد الذي يتشكل في هذه الأيام يحمل دلالة مختلفة؛ إذ تستعد أكثر من 200 منظمة مجتمع مدني ونقابة واتحاد طلابي وشبكة حقوقية في أكثر من 60 دولة وعلى القارات الست للمشاركة في تعبئة عالمية منسقة يوم السبت 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ضمن حراك يمتد في إطاره الأوسع من 9 إلى 11 أكتوبر.

وتكتسب هذه التعبئة أهميتها من طبيعة أهدافها، فهي لا تكتفي بالتعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني، وإنما تسعى، وفق ما أعلنته الجهات المنظمة، إلى تحويل الغضب الشعبي إلى ضغط سياسي وقانوني واقتصادي؛ من خلال المطالبة بوقف الحرب، وإنهاء ما تصفه الحملة بالإبادة في غزة، ووقف خطوط الإمداد العسكري، وتطبيق قواعد القانون الدولي، ومساءلة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، والضغط على الحكومات والبرلمانات بشأن صادرات السلاح والعلاقات التجارية.

وهنا تحديداً تكمن أهمية الحدث.

فالمظاهرة، مهما بلغ حجمها، تبقى تعبيراً عن موقف شعبي؛ أما عندما تنتقل الحركة الشعبية إلى البرلمانات والحكومات ومراكز القرار ومؤسسات الاقتصاد والتجارة والتسليح، فإنها تبدأ في محاولة تحويل الرأي العام إلى أداة تأثير في صناعة السياسات.

وتشير الحملة بالفعل إلى مسار تشريعي متزامن مع التحركات الشعبية، من خلال دعوة المنظمات المشاركة إلى مخاطبة النواب، وطلب جلسات برلمانية طارئة، وطرح أسئلة حول صادرات الأسلحة، ومطالبة الحكومات باتخاذ إجراءات تتعلق بالسلاح والتجارة والعلاقات الاقتصادية.

وهذا هو التحول الذي يستحق التوقف عنده: من التضامن إلى الضغط، ومن الضغط إلى المساءلة، ومن المساءلة إلى محاولة التأثير في القرار.

لقد شهد العالم خلال السنوات الماضية اتساعاً ملحوظاً في حركة التضامن مع فلسطين، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد المتظاهرين وحده، ولا في عدد المدن التي ترفع فيها الأعلام الفلسطينية، وإنما في قدرة هذا الحراك على إنتاج نتائج سياسية ملموسة: هل تستطيع البرلمانات أن تدفع حكوماتها إلى إعادة النظر في سياسات تصدير السلاح؟ وهل تستطيع مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والجامعات والقوى الحقوقية أن تجعل استمرار السياسات التي تسهم في إدامة الحرب أكثر كلفة سياسياً وقانونياً وأخلاقياً؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد قيمة الحراك، لا حجم العناوين التي ترافقه.

ومن المهم، في الوقت نفسه، ألا نسبق الأحداث بوصف هذه التعبئة بأنها حققت بالفعل تحولاً في النظام الدولي. فالتحرك المعلن هو فرصة ضغط واسعة، أما أثره النهائي فسيتوقف على مدى استمراره، وعلى قدرته على الانتقال من يوم تعبئة عالمي إلى عمل مؤسسي متواصل، وعلى مدى استجابة البرلمانات والحكومات للمطالب التي تطرح أمامها.

إن التضامن العالمي مع فلسطين، إذا بقي في حدود التعبير الرمزي، يظل مهماً من الناحية الإنسانية والسياسية، لكنه لا يكفي وحده لإنهاء الحرب أو الاحتلال. أما إذا استطاع أن يتكامل مع العمل البرلماني والحقوقي والقانوني والنقابي والإعلامي، وأن يتحول إلى حركة مستمرة لمساءلة الحكومات والشركات والمؤسسات المتصلة بالحرب، فإنه يصبح أحد عناصر الضغط الدولي التي يمكن أن تؤثر في البيئة السياسية التي تُتخذ فيها القرارات.

ومن هنا فإن المعركة ليست فقط في غزة أو الضفة الغربية، وليست فقط في الميدان أو على طاولة المفاوضات؛ إنها أيضاً في البرلمانات والعواصم والجامعات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني والرأي العام العالمي.

والرسالة الفلسطينية التي ينبغي أن تصل إلى هذا الحراك واضحة: إن الشعب الفلسطيني لا يطلب تعاطفاً عابراً، بل يطالب بحقه في الحرية وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال وإقامة دولته المستقلة على أرضه، وفق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وتمكينه من بناء مستقبله السياسي والاقتصادي والاجتماعي بإرادته الحرة.

إن قيمة التضامن العالمي الحقيقية تبدأ عندما يتحول من مشاعر إلى فعل، ومن فعل إلى ضغط، ومن ضغط إلى سياسات، ومن سياسات إلى حماية للحقوق وإنفاذ للقانون.

وفي هذه اللحظة المفصلية، ربما لا يكون السؤال: هل يستطيع العالم أن يتضامن مع فلسطين؟ فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن قطاعات واسعة من شعوب العالم قادرة على ذلك.

السؤال الأهم هو: هل يستطيع هذا التضامن أن يتحول إلى قوة مدنية عالمية مستمرة، تدفع الحكومات والبرلمانات إلى تحمل مسؤولياتها، وتُسهم في وضع حد للحرب والاحتلال، وتفتح الطريق أمام الشعب الفلسطيني لممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير مصيره؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي لتعبئة العاشر من أكتوبر، وما بعدها.

د. عبد الرحيم جاموس
4/10/2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com