دائرة تنسيق وارتباط المرضى في المحافظات الجنوبية: خط الأساس الإحصائي لحجم العمل والقدرة التشغيلية خلال الفترة 2020 – 30 سبتمر 2023.. نضال احمد جابر جودة.

حين يصبح الرقم خطًا أساسًا لقياس الأداء، فإن خلف كل رقم مريضًا ينتظر العلاج، ومرافقًا ينتظر الوصول إلى جانب مريضه، وسيارة إسعاف تنتظر التنسيق، وملفًا يحتاج إلى متابعة، وأسرة تنتظر خبرًا قد يغيّر مسار حياتها. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة عمل دائرة تنسيق وارتباط المرضى في المحافظات الجنوبية لا تبدأ من عدد المعاملات التي أُنجزت، وإنما من فهم الدور الذي كانت تؤديه الدائرة في ضمان انتقال المريض من مرحلة الحاجة إلى العلاج إلى مرحلة الوصول الفعلي إلى وجهته العلاجية.
لم تكن دائرة تنسيق وارتباط المرضى مجرد وحدة إدارية تتولى إنجاز معاملات المرضى، وإنما كانت تمثل حلقة تشغيلية مركزية تربط بين المريض والمؤسسة الصحية وجهة العلاج ومسارات الحركة والمعابر المختلفة. وكانت الدائرة تتعامل مع احتياجات المرضى المحولين للعلاج خارج جغرافيا قطاع غزة، وتتابع الإجراءات المرتبطة بالمريض والمرافق وسيارة الإسعاف والجهة العلاجية المضيفة، بما يجعل مهمتها تتجاوز حدود المعاملة الإدارية إلى متابعة رحلة المريض حتى تحقيق الغاية العلاجية التي أُنجزت المعاملة من أجلها.
وكان نطاق عمل الدائرة يمتد إلى مختلف المستشفيات الحكومية المنتشرة في قطاع غزة، بما يشمل المستشفيات المركزية والعامة وأحادية التخصص، وفي الوقت نفسه يمتد إلى ترتيب الإجراءات والتنسيق مع المستشفيات والجهات العلاجية المضيفة خارج جغرافيا قطاع غزة. ومن خلال مسارات الحركة المختلفة، ومنها إيرز وقلنديا والنفق وجسر اللمبي وغيرها، كانت الدائرة تتابع الجوانب الإدارية والتنسيقية المرتبطة بوصول المرضى إلى وجهاتهم العلاجية.
ولم يكن هذا العمل مقتصرًا على المرضى وحدهم، وإنما شمل المرافقين، واستبدال المرافقين، والمتبرعين، والتصاريح الممتدة لفترات تصل إلى ثلاثة أشهر لمرضى الأورام وأمراض الدم، إلى جانب حركة سيارات الإسعاف اليومية والحالات التي تتطلب تنسيقًا عاجلًا ومتواصلًا. كما امتد نطاق العمل إلى متابعة حالات الوفاة وما يرتبط بها من إجراءات وتنسيق، والتعامل مع حالات أبناء قطاع غزة الذين تعرضوا لإصابات عمل أو حوادث طرق أثناء وجودهم في إسرائيل، إضافة إلى تنسيق حركة أفراد من قطاع غزة للمشاركة في دورات وبرامج تدريبية في المحافظات الشمالية.
وبذلك، فإن حجم العمل الذي كانت الدائرة تضطلع به لا يمكن اختزاله في عدد معاملات التصاريح وحدها؛ لأن المعاملة الواحدة كانت جزءًا من سلسلة إدارية وتشغيلية قد تشمل تحديث البيانات، واستكمال الوثائق، والتنسيق الطبي، ومتابعة المرافقين، والتنسيق مع سيارات الإسعاف، ومتابعة الجهة العلاجية المضيفة، والتعامل مع متطلبات الحركة والوصول إلى العلاج.
القدرة المؤسسية والتشغيلية للدائرة:
تكتسب قراءة حجم العمل أهمية أكبر عند مقارنتها بالموارد البشرية التي كانت تقوم عليها. فقد كانت المنظومة تعمل من خلال ثمانية موظفين فقط وعلى مدار الساعة 24/24، لتغطية احتياجات التنسيق والمتابعة والارتباط المرتبطة بمختلف المستشفيات الحكومية في المحافظات الجنوبية.
وهذا العدد المحدود من الموظفين لم يكن يعمل لصالح مستشفى واحد أو تخصص طبي واحد، وإنما كان يغطي شبكة المستشفيات الحكومية كافة في قطاع غزة، بما فيها المستشفيات المركزية والعامة وأحادية التخصص، ويتعامل في الوقت نفسه مع الجهات العلاجية المضيفة خارج القطاع. ومن ثم فإن قراءة الأداء لا تنفصل عن العلاقة بين اتساع نطاق المسؤولية وحجم الموارد البشرية المتاحة لتنفيذها.
وتظهر هذه العلاقة بصورة أوضح عند النظر إلى طبيعة المهام اليومية؛ إذ كان الموظف يتعامل مع ملفات مرضى قادمين من مستشفيات مختلفة، واحتياجات طبية متباينة، ومرافقين، وتصاريح، وتحديثات للبيانات، وحركة سيارات إسعاف، وحالات عاجلة، واتصالات وتنسيق مع جهات متعددة داخل القطاع وخارجه. ولذلك فإن الرقم المتعلق بالموارد البشرية لا يمثل مجرد معلومة إدارية، وإنما يشكل جزءًا من خط الأساس اللازم لفهم القدرة التشغيلية التي كانت تقوم عليها الدائرة.
مصدر البيانات ومنهجية بناء خط الأساس:
يستند خط الأساس الإحصائي في هذه القراءة، في الأصل، إلى السجلات والبيانات الإدارية والإحصائية لدائرة تنسيق وارتباط المرضى في المحافظات الجنوبية، باعتبارها الجهة التي كانت تتولى عمليًا استقبال ملفات المرضى ومتابعتها وتحديث بياناتها والتنسيق بشأنها ومتابعة حركة المرضى والمرافقين وسيارات الإسعاف وغيرها من الإجراءات المرتبطة بالوصول إلى العلاج. ومن ثم فإن القيمة الأساسية للرقم الإداري تنبع من السجل الذي نشأ داخل الدائرة أثناء تنفيذ العمل، وليس من مجرد وروده لاحقًا في تقرير صادر عن جهة أخرى.
وفي هذا السياق، تأتي منظمة الصحة العالمية بوصفها مصدرًا توثيقيًا ومساندًا، من خلال ما نشرته من تقارير دورية وإحصاءات عن حركة طلبات تصاريح المرضى ونتائجها، بما يسمح بمقارنة الاتجاهات العامة والتحقق منها. وعليه، فإن ورود رقم من أرقام عمل الدائرة في تقارير منظمة الصحة العالمية لا يعني بالضرورة أن المنظمة هي مصدر الرقم الأصلي، متى كان الرقم قائمًا في الأساس على البيانات التي كانت الجهات الفلسطينية المختصة توفرها ضمن منظومة التنسيق.
ويُتعامل مع عام 2020 بوصفه حالة استثنائية في السلسلة الزمنية؛ فقد أدى وقف التنسيق الرسمي في 19 مايو 2020، إلى جانب ظروف جائحة كورونا، إلى تعطّل آلية تقديم ومتابعة طلبات المرضى والمرافقين بالصورة المؤسسية المعتادة. ثم أنشأت منظمة الصحة العالمية في 6 سبتمبر 2020 آلية مؤقتة لدعم المرضى والمرافقين في تقديم طلبات الخروج للعلاج، واستمرت هذه الآلية حتى استئناف التنسيق الفلسطيني الرسمي في نوفمبر من العام نفسه. وسجلت المنظمة خلال الفترة المؤقتة 1,359 طلب تصريح للمرضى و1,604 طلبات للمرافقين حتى 23 نوفمبر 2020.
وعليه، فإن بيانات عام 2020 تحتاج إلى قراءة مستقلة عند مقارنة الاتجاهات الزمنية، لأنها تعكس ظروفًا تشغيلية استثنائية تداخل فيها توقف التنسيق الرسمي مع جائحة كورونا وقيود الحركة، ولا تمثل بالضرورة المستوى الاعتيادي لتشغيل الدائرة في الفترات التي كانت فيها منظومة التنسيق المؤسسية تعمل بصورة طبيعية.
المؤشرات الرئيسة لخط الأساس:
بناءً على طبيعة عمل الدائرة والبيانات المتاحة، تتركز القراءة الإحصائية في ثلاثة مؤشرات رئيسة مترابطة:
حجم المرضى بوصفه مؤشرًا لحجم الطلب والحاجة.
طلبات التصاريح ونتائجها بوصفها مؤشرًا لمسار الإجراء الإداري والفني.
حركة سيارات الإسعاف بوصفها مؤشرًا للحركة التشغيلية والاستجابة.
أما المرافقون والتصاريح الممتدة واستبدال المرافقين والمتبرعون والوفيات وإصابات العمل والحوادث وحركة التدريب وغيرها، فتظل مكونات أساسية من نطاق مسؤوليات الدائرة، دون تحويل كل مهمة منها إلى مؤشر إحصائي مستقل، حفاظًا على وحدة القياس وعدم تشتيت القراءة الأساسية.
أولًا: حجم المرضى — خط الأساس لحجم الطلب:
استنادًا إلى البيانات الإدارية والإحصائية لدائرة تنسيق وارتباط المرضى في المحافظات الجنوبية، تراوح متوسط عدد المرضى الذين كانت الدائرة تتعامل مع احتياجاتهم شهريًا بين 1,750 و2,000 مريض. ويعادل هذا الحجم، حسابيًا، ما بين 21,000 و24,000 مريض سنويًا في السنة الكاملة، بينما يتراوح المتوسط اليومي التقريبي بين 58 و67 مريضًا يوميًا.
ويمثل هذا النطاق خط الأساس الأول لحجم الطلب الذي كانت الدائرة تتعامل معه، قبل احتساب الإجراءات المرتبطة بكل حالة من مرافقين وتصاريح ومتابعة وتحديث بيانات وتنسيق مع الجهات المختلفة. ولا يعني المتوسط أن عدد المرضى كان ثابتًا يوميًا أو شهريًا، وإنما يعبر عن نطاق العمل المعتاد الذي كانت تتحرك ضمنه الدائرة خلال الفترة محل القراءة.
ويكتسب هذا المؤشر أهميته من كونه يعكس حجم الحالات التي كانت تدخل إلى منظومة التنسيق، وليس عدد المعاملات المنجزة فقط. كما ينبغي التمييز إحصائيًا بين عدد المرضى وعدد طلبات التصاريح؛ فالطلب الواحد لا يمثل بالضرورة مريضًا جديدًا، كما أن المريض الواحد قد يرتبط بأكثر من إجراء أو طلب خلال الفترة نفسها.
ثانيًا: طلبات التصاريح — من حجم الطلب إلى نتيجة الإجراء:
يمثل مسار التصريح المؤشر الثاني في قراءة عمل الدائرة؛ فبعد قياس حجم المرضى، ينتقل القياس إلى النتيجة التي انتهى إليها طلب التصريح. وتتمثل النتائج الرئيسة في الموافقة والتأخير والرفض.
وتُظهر البيانات المنشورة من منظمة الصحة العالمية أن إجمالي طلبات تصاريح المرضى من قطاع غزة بلغ 8,000 طلب عام 2020، وبلغت نسبة الموافقة نحو 67%، والتأخير 24%، والرفض 5%. وفي عام 2021 بلغ إجمالي الطلبات 15,466 طلبًا، وبلغت نسبة الموافقة 63%، والتأخير 35%، والرفض 0.5%. وتستخدم هذه البيانات لأغراض التوثيق والمقارنة، مع بقاء البيانات الإدارية الأصلية الخاصة بعمل الدائرة هي الأساس في قراءة الأداء التشغيلي خلال الفترات التي كانت فيها منظومة التنسيق الرسمية تعمل.
غير أن قراءة «التأخير» تحتاج إلى قدر من الدقة؛ لأن تسجيل الطلب ضمن فئة الطلبات المتأخرة لا يعني بالضرورة أن التأخير ناتج عن قصور في المتابعة الإدارية. فقد كانت بعض الطلبات تحتاج إلى معالجة فنية أو طبية لاستكمال المعلومات اللازمة لاتخاذ الإجراء، ولا سيما في الحالات الجديدة التي يتقدم فيها المريض للمرة الأولى.
ومن الأمثلة على ذلك أن يكون التقرير الطبي غير واضح في تحديد التشخيص، أو أن تكون التوصية الطبية الواردة فيه فضفاضة ولا تحدد بصورة كافية نوع العلاج أو الإجراء المطلوب، كما في استخدام عبارات عامة مثل Management أو Surgical Intervention دون توضيح طبي كافٍ لطبيعة الإجراء أو الغاية العلاجية منه. وتزداد أهمية هذه المسألة في الحالات الجديدة؛ لأن استكمال البيانات الطبية يصبح جزءًا ضروريًا من مسار الطلب قبل استكمال إجراء التنسيق.
وكانت هذه الحالات تخضع للمراجعة من خلال قسم تحديث البيانات، وبالتنسيق مع مدير دائرة تنسيق وارتباط المرضى، بهدف تحديد النقص الفني أو الطبي واستكمال المعلومات المطلوبة. وفي بعض الحالات كان بالإمكان معالجة الملاحظة واستكمال الإجراء في اليوم نفسه، بينما كانت حالات أخرى تحتاج إلى التنسيق مع الطبيب المعالج الذي قام بتحرير نموذج رقم (1)، بهدف استكمال التشخيص أو التوصية الطبية أو توضيح الإجراء المطلوب.
وبذلك، فإن الطلب المتأخر لم يكن يُترك بوصفه رقمًا إحصائيًا ينتظر القرار، وإنما يدخل في مسار متابعة ومراجعة وتحديث للبيانات وفق طبيعة الحالة. ويكشف ذلك عن أن الزمن المرتبط بالتصريح كان يتأثر أحيانًا بجودة واكتمال البيانات الطبية والفنية، إلى جانب مسار الرد الخارجي، الأمر الذي يجعل مؤشر التأخير بحاجة إلى قراءة تشغيلية لا تقتصر على عدّ الطلبات المتأخرة.
وفي عام 2021، تعني النسب المنشورة حسابيًا أن كل 100 طلب تصريح كانت تقابلها نحو 63 موافقة، و35 طلبًا متأخرًا، وأقل من طلب واحد مرفوض في المتوسط. وهذه القراءة تقريبية لأن النسب المنشورة تخضع للتقريب، ولذلك لا تستخدم بوصفها تعدادًا أصليًا مستقلًا لكل فئة.
أما عام 2022، فقد بلغ إجمالي طلبات تصاريح المرضى وفق منظمة الصحة العالمية 20,295 طلبًا، وكانت نسبة الطلبات المتأخرة أو المرفوضة مجتمعة 33%. كما تراوحت نسب الموافقة الشهرية بين 58% في أبريل و81% في نوفمبر، ثم 80% في ديسمبر.
ويكشف هذا التفاوت الشهري أن المتوسط السنوي لا يكفي وحده لقراءة حركة التصاريح؛ إذ يمكن أن تتغير نسب الموافقة والتأخير والرفض من شهر إلى آخر. ولذلك فإن القياس الأكثر دقة يتطلب تسجيل العدد الإجمالي للطلبات في كل شهر، ثم توزيعها على الموافقات والتأخيرات والرفض، مع قراءة طبيعة الطلبات التي دخلت مسار المراجعة والتحديث.
وتظهر هذه الفروق في بيانات منظمة الصحة العالمية لشهري نوفمبر وديسمبر 2022. ففي نوفمبر بلغ عدد الطلبات المرفوضة 22 طلبًا، بنسبة 1%، مقابل 369 طلبًا متأخرًا، بنسبة 19%. وفي ديسمبر بلغ عدد الطلبات المرفوضة 74 طلبًا، بنسبة 4%، مقابل 295 طلبًا متأخرًا، بنسبة 16%.
وعليه، فإن المؤشر الإحصائي للتصاريح ينبغي أن يُبنى على أربعة أرقام مترابطة: إجمالي الطلبات، وعدد الموافقات، وعدد الطلبات المتأخرة، وعدد الطلبات المرفوضة، ثم تُحسب نسبة كل نتيجة من إجمالي الطلبات. وتسمح هذه الطريقة بالمقارنة بين السنوات والأشهر، مع الحفاظ على التمييز بين التأخير الناتج عن مسار الرد الخارجي وبين الحالات التي تحتاج إلى استكمال فني أو طبي داخل المسار الإداري للطلب.
ثالثًا: حركة سيارات الإسعاف — مؤشر الحركة والاستجابة:
إذا كان عدد المرضى يعكس حجم الطلب، وطلبات التصاريح تعكس مسار الإجراء ونتيجته، فإن حركة سيارات الإسعاف تمثل مكونًا تشغيليًا مباشرًا في عمل دائرة تنسيق وارتباط المرضى؛ إذ كانت الحركة اليومية تتراوح بين 4 و6 سيارات إسعاف في الاتجاهين.
وبناءً على هذا النطاق، يتراوح حجم الحركة حسابيًا بين 120 و180 حركة إسعاف شهريًا، وبين 1,460 و2,190 حركة سنويًا، بافتراض استمرار المعدل اليومي نفسه على مدار السنة. ويبلغ المتوسط الحسابي لهذا النطاق نحو 5 سيارات إسعاف يوميًا، و150 حركة شهريًا، و1,825 حركة سنويًا.
وتُعرض هذه الأرقام بوصفها متوسطات حسابية مشتقة من نطاق الحركة اليومية، وليست تعدادًا فعليًا مستقلًا لكل يوم أو شهر. كما أن عبارة «في الاتجاهين» تعني أن نطاق 4–6 سيارات إسعاف يمثل إجمالي الحركة اليومية في الاتجاهين، وليس 4–6 سيارات لكل اتجاه.
ويمثل هذا المؤشر جانبًا مختلفًا من طبيعة العمل؛ فهو لا يقيس فقط عدد الملفات التي تعاملت معها الدائرة، وإنما يعكس حركة فعلية مرتبطة بانتقال المرضى والحالات الصحية، وما تحتاجه هذه الحركة من تنسيق مسبق ومتابعة واستجابة زمنية، الأمر الذي يعيد المؤشر إلى القدرة التشغيلية للدائرة وإلى الموارد البشرية المحدودة التي كانت تقوم بهذه المسؤوليات.
رابعًا: قراءة خط الأساس في ضوء القدرة المؤسسية:
عند جمع المؤشرات الرئيسة في قراءة واحدة، يظهر أن عمل دائرة تنسيق وارتباط المرضى في المحافظات الجنوبية كان يتحرك ضمن ثلاثة أحجام إحصائية مترابطة: حجم المرضى، وحجم طلبات التصاريح ونتائجها، وحجم حركة سيارات الإسعاف.
فمن جهة المرضى، كان خط الأساس يتراوح بين 1,750 و2,000 مريض شهريًا، أي ما يقارب 21,000–24,000 مريض سنويًا في السنة الكاملة، مع متوسط يومي تقريبي يبلغ 58–67 مريضًا. ومن جهة الإسعاف، كانت الحركة اليومية تتراوح بين 4 و6 سيارات في الاتجاهين، بما يعادل حسابيًا 120–180 حركة شهريًا و1,460–2,190 حركة سنويًا.
أما التصاريح، فتُقرأ من خلال مسار الطلب منذ تقديمه وحتى النتيجة النهائية: موافقة أو تأخير أو رفض، مع بقاء الحالات التي تحتاج إلى استكمال فني أو طبي ضمن مسار المراجعة والتحديث والمتابعة.
وتكتسب هذه المؤشرات دلالتها الحقيقية عند وضعها مقابل الموارد البشرية؛ إذ كانت هذه المنظومة تُدار بواسطة ثمانية موظفين فقط يعملون على مدار الساعة 24/24، في الوقت الذي كانت فيه الدائرة تغطي احتياجات المستشفيات الحكومية كافة في قطاع غزة، بما فيها المستشفيات المركزية والعامة وأحادية التخصص، وتتولى في الوقت نفسه التنسيق مع الجهات والمستشفيات العلاجية المضيفة خارج القطاع.
وبذلك فإن خط الأساس لا يقيس حجم الطلب بمعزل عن القدرة المؤسسية، وإنما يوضح العلاقة بين اتساع نطاق الخدمة، وتعدد المستشفيات والجهات المرتبطة بها، وتنوع الإجراءات، وحجم الموارد البشرية المتاحة، والحاجة إلى الاستجابة الزمنية.
وتظهر القيمة التشغيلية للدائرة بصورة أكبر عندما نضع في الاعتبار أن الحالات لم تكن متشابهة من حيث متطلبات المتابعة؛ فهناك ملف يحتاج إلى تحديث بسيط، وآخر يحتاج إلى استكمال تقرير طبي، وحالة جديدة تحتاج إلى التواصل مع الطبيب المعالج، وحالة إسعاف تحتاج إلى تنسيق سريع، ومريض يحتاج إلى مرافق أو استبداله، وحالة تحتاج إلى متابعة مع جهة علاجية خارج القطاع. ومن ثم فإن عدد الملفات وحده لا يعكس كامل الجهد التشغيلي الذي كان يُبذل خلف كل حالة.
خامسًا: عام 2020 بوصفه سنة استثنائية في السلسلة الزمنية:
عند قراءة الفترة الزمنية كاملة، ينبغي التعامل مع عام 2020 باعتباره سنة استثنائية بسبب تزامن جائحة كورونا مع توقف التنسيق الرسمي، الأمر الذي انعكس على قدرة المرضى على تقديم الطلبات ومتابعتها والوصول إلى العلاج.
وتظهر البيانات الدولية أن إجمالي طلبات تصاريح المرضى انخفض من نحو 24,000 طلب عام 2019 إلى 8,000 طلب عام 2020، ثم ارتفع إلى 15,466 طلبًا عام 2021 و20,295 طلبًا عام 2022. ولا ينبغي تفسير الانخفاض في عام 2020 باعتباره انخفاضًا مماثلًا في الحاجة الصحية، لأن القدرة على الوصول إلى مسار تقديم الطلبات والتنسيق نفسها كانت قد تأثرت بالظروف الاستثنائية.
كما انخفض عدد الإحالات الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية من 1,288 إحالة في يونيو 2020 إلى 783 إحالة في سبتمبر 2020، قبل أن تبدأ الحركة بالتحسن بصورة معتدلة بعد إنشاء آلية التنسيق المؤقتة لمنظمة الصحة العالمية.
وعليه، فإن عام 2020 يمثل نقطة استثنائية ينبغي مراعاتها عند بناء المقارنات الزمنية، بينما تستند قراءة القدرة التشغيلية الاعتيادية إلى الفترات التي كانت فيها منظومة التنسيق المؤسسية تعمل بصورة طبيعية.
سادسًا: خط الأساس بوصفه مرجعًا لقياس الأداء:
يقدم خط الأساس الإحصائي صورة متماسكة لعمل دائرة تنسيق وارتباط المرضى في المحافظات الجنوبية، تقوم على ثلاثة مؤشرات رئيسة مترابطة: 1,750–2,000 مريض شهريًا، و4–6 سيارات إسعاف يوميًا في الاتجاهين، ومنظومة طلبات تصاريح تقاس نتائجها بالموافقة والتأخير والرفض.
ولا تكتسب هذه الأرقام أهميتها من حجمها العددي فقط، وإنما من قدرتها على إظهار طبيعة العمل المؤسسي الذي كان يقف خلف كل رقم؛ فعدد المرضى يعكس حجم الحاجة، ونتيجة التصريح تعكس مسار الإجراء والزمن المرتبط به، وحركة الإسعاف تعكس جانبًا مباشرًا من الاستجابة التشغيلية.
وفي الوقت نفسه، فإن وضع هذه المؤشرات مقابل الموارد البشرية يوضح حجم القدرة التشغيلية التي كانت الدائرة تعمل ضمنها؛ إذ كان ثمانية موظفين فقط يتولون العمل على مدار الساعة، ويغطون احتياجات مختلف المستشفيات الحكومية في قطاع غزة، ويتابعون في الوقت نفسه التنسيق مع الجهات العلاجية المضيفة خارج القطاع.
ومن هنا، فإن خط الأساس لا يمثل مجرد سجل تاريخي للمعاملات، وإنما يشكل مرجعًا مؤسسيًا يمكن من خلاله قياس أي تغير لاحق في حجم العمل أو طبيعة الاستجابة أو مستوى التنسيق. كما يسمح بتقييم التغير في العلاقة بين حجم الطلب والموارد البشرية والقدرة على الاستجابة، بدلًا من الاكتفاء بمقارنة أعداد المعاملات بصورة مجردة.
وتبقى القاعدة المنهجية في قراءة هذا الخط واضحة: سجلات دائرة تنسيق وارتباط المرضى هي المصدر الأساسي لقياس عمل الدائرة، بينما تستخدم بيانات منظمة الصحة العالمية للتوثيق والتحقق والمقارنة، مع التعامل بصورة مستقلة مع عام 2020 بوصفه فترة استثنائية في مسار التنسيق.
وبذلك يتحول الرقم الإداري من مجرد إحصاء إلى خط أساس للأداء المؤسسي والتشغيلي؛ فهو يوضح حجم المسؤولية التي كانت تضطلع بها الدائرة، واتساع نطاق المستشفيات والجهات التي كانت تخدمها، وتنوع الإجراءات التي كانت تديرها، وحجم الموارد البشرية التي كانت تقوم بهذا العمل، ويتيح في الوقت نفسه بناء مقارنة موضوعية مع أي تغير لاحق يطرأ على منظومة تنسيق وصول المرضى إلى العلاج.
نضال احمد جابر جودة.



