أنا الكوشان… لم أكن يومًا ورقة

أنا الكوشان الفلسطيني.
قد تبدو لي ورقة قديمة تحمل أسماء وأرقامًا وتواريخ وأختامًا.
لكنني في الحقيقة أكثر من ذلك بكثير.
أنا ذاكرة أرض.
أنا اسم قرية لم تنجح النكبة في محوه.
أنا شاهد على بيت كان لأهله عنوان.
أنا أثر أجداد تركوا خلفهم الأرض قسرًا وهم يحملون مفاتيح بيوتهم ووثائق ملكيتهم وهم على يقين أن العودة ليست حلمًا عابرًا.
أنا لم أولد في مخيم.
ولدت هناك… في فلسطين.
على أرض عرفها أصحابها قطعة قطعة.
زرعوها وسقوها وتوارثوها وسجلوا ملكيتها قبل أن يصبح اللجوء عنوانًا لحياتهم.
ثم جاءت النكبة.
خرج أصحاب الأرض وبقيت الأرض.
خرج الإنسان وبقي اسمه في سجلاتها.
وبقيت أنا.
يحملني أب عن أبيه.
ويحفظني ابن عن والده.
وتنتقل حكايتي من جيل إلى جيل حتى لا يقول أحد يومًا إن أصحاب الأرض نسوا أرضهم.
لهذا أنا لا أتحدث عن الماضي وحده.
أنا أتحدث عن الحاضر والمستقبل.
فكلما حاول أحد أن يجعل قضية اللاجئ مجرد ذكرى أقول له:
انظر إليّ.
أنا الدليل.
وكلما حاول أحد أن يفصل الإنسان الفلسطيني عن أرضه أقول:
الأرض لها أصحاب.
وكلما ظن أحد أن مرور الزمن يمكن أن يسقط الحق أقول:
أنا وُجدت قبل أن تبدأ ساعة النسيان.
لهذا وُجدت كوشان بلدي.
ليس لتروي قصة ورقة.
بل لتعيد للورقة صوتها.
ولتقول للأجيال إن حق العودة ليس شعارًا يُقال في المناسبات.
وإن الأرض ليست حكاية تُروى ثم تُغلق صفحاتها.
أنا الكوشان.
وصمتي لم يكن استسلامًا.
كان انتظارًا.
واليوم بدأت أتكلم.
وسأتحدث أكثر.
لأن وراء كل كوشان عائلة.
ووراء كل عائلة قرية.
ووراء كل قرية وطن.
وإذا كان الكبار قد رحلوا…
فإنهم تركوا لنا ما يكفي كي لا ننسى.
الأرض تعرف أصحابها.
وأنا أعرفهم.
ومن هنا تبدأ الحكاية من جديد.
كوشان بلدي



