الكلمة مسؤولية … د. عبد الرحيم جاموس

ليست الكلمة مجرد أصواتٍ تتردّد أو حروف تُكتب وتمضي، بل هي موقف ووعي وأمانة، ومسؤولية أخلاقية وإنسانية واجتماعية.
قد تبني الكلمة جسور الثقة وتجمع الناس على الخير والأمل، وقد تهدم ما بُني عبر سنوات، وتزرع الشكوك والفرقة والعداوة.
وفي زمن تنتشر فيه الكلمات في لحظة، تتعاظم المسؤولية عما نقول ونكتب وننشر. فليس كل ما يقال حقيقة، ولا كل ما يُتداول يستحق التصديق أو الترويج. ومن هنا تقتضي المسؤولية أن يحاسب المرء نفسه قبل أن ينطق: هل ما أقوله صحيح؟ هل يستند إلى مصدر موثوق؟ وهل يضيف معرفة أو خيراً، أم يثير فتنة ويضلل الناس ويؤذيهم؟
حرية التعبير لا تنفصل عن المسؤولية، وحق الإنسان في الكلام يقابله واجبه في تحري الحقيقة واحترام الآخرين وصون المجتمع من التضليل والإساءة.
فلنجعل كلماتنا جسوراً للتفاهم والبناء لا معاول للهدم والتفرقة، ولنتذكر دائماً أن الكلمة أمانة، وأن أثرها قد يبقى طويلاً بعد أن يغيب قائلها.
فالكلمة مسؤولية، ومحاسبة النفس عليها دليل وعيٍ ونضج، وعنوان احترام الإنسان والحقيقة والمجتمع.
د. عبد الرحيم جاموس
— رئيس المجلس الإداري للاتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين
17/10/2026م
طاب صباحكم 🌺
# الكلمة حين تصبح أمانة الضمير ومسؤولية الوعي
*قراءة أدبية في مقال «الكلمة مسؤولية» للدكتور عبد الرحيم جاموس

بقلم د عادل جوده العراق*
المقدمة:
حين ينطق اللسان ويشهد الضمير
ليست الكلمة في رؤية الدكتور عبد الرحيم جاموس مجرد حروف تتعانق على الورق، أو أصوات تعبر الفضاء ثم تتلاشى في صمت الأيام، بل هي كيان حي يحمل في أعماقه مسؤولية الإنسان تجاه الحقيقة والآخرين والمجتمع. ومن هذا المنطلق، يأتي مقاله «الكلمة مسؤولية» ليوقظ فينا ضمير الكلمة، ويعيد الاعتبار إلى قيمة القول في زمن أصبحت فيه العبارة تنتشر أسرع من قدرتنا على التحقق من صدقها، وأصبح للكلمة أثر قد يفوق أثر الفعل أحيانا.
أولا:
الكلمة بين البناء والهدم
يضعنا الكاتب أمام حقيقة إنسانية عميقة، مفادها أن الكلمة ليست فعلا محايدا؛ فهي إما جسر يعبر عليه الناس نحو التفاهم والمحبة، وإما معول يهدم ما شيدته السنوات من ثقة ومودة. وهنا تتجلى بلاغة الفكرة في بساطتها وعمقها؛ فالكلمة التي تداوي جرحا قد تترك في روح الإنسان ندبة لا تمحوها الأيام، والكلمة التي تزرع الأمل قد تنقذ قلبا من اليأس.
إنها مسؤولية تتجاوز حدود اللغة إلى أخلاق استخدامها، وتجعل المتكلم شريكا في النتائج التي تتركها عباراته داخل النفوس وفي فضاء المجتمع.
ثانيا:
الحقيقة في مواجهة التضليل
يمنح المقال أهمية خاصة لتحري الحقيقة، مؤكدا أن شيوع القول لا يمنحه صفة الصدق، وأن تكرار الخبر لا يحوله إلى حقيقة. وهذه الفكرة تمثل جوهر الوعي في عصر تتسع فيه منصات النشر، وتتداخل فيه المعرفة بالشائعة، والرأي بالمعلومة، والحقيقة بالتأويل.
ومن هنا، فإن سؤال الكاتب: هل ما أقوله صحيح؟ ليس مجرد تساؤل عابر، بل هو محاكمة أخلاقية تسبق النشر، وميزان ينبغي أن يحتكم إليه كل إنسان قبل أن يشارك في صناعة الوعي العام. فالمسؤولية الحقيقية لا تكمن في امتلاك القدرة على الكلام، وإنما في امتلاك الشجاعة لقول الحقيقة، والحكمة في التزام الصمت حين يغيب الدليل.
ثالثا:
حرية التعبير وأخلاق المسؤولية
لا يصادر الدكتور جاموس حرية التعبير، بل يضعها في إطارها الإنساني النبيل؛ فالحرية التي تنفصل عن المسؤولية قد تتحول إلى أداة للإساءة، والقول الذي يتخلى عن احترام الآخرين يفقد جانبا من قيمته الأخلاقية، مهما بدا بليغا أو مؤثرا.
إن احترام حرية الكلمة لا يعني إطلاقها بلا ضوابط ضميرية، بل يعني صون حق الإنسان في التعبير، مع الالتزام بالصدق والإنصاف وعدم الإضرار بالآخرين أو تضليل المجتمع.
رابعا:
البعد الجمالي والإنساني
تنبع قوة المقال من وضوح لغته، وتماسك فكرته، واعتماده على المقابلة بين البناء والهدم، والتفاهم والفرقة، والحقيقة والتضليل. وهذه الثنائيات تمنح النص إيقاعا فكريا مؤثرا، وتجعل رسالته قريبة من القارئ، من دون أن تفقد عمقها الأخلاقي.
والأجمل أن الكاتب لا يكتفي بتشخيص الخلل، بل يقدم دعوة عملية إلى تهذيب الخطاب، ومراجعة الذات، وتحويل الكلمة إلى وسيلة للإصلاح والتقارب. وهكذا تتجاوز الكتابة حدود التنظير لتصبح نداء إنسانيا يستنهض الضمير.
الخاتمة:
أثر الكلمة أبقى من صاحبها
في المحصلة، يقدم الدكتور عبد الرحيم جاموس مقالا يحمل قيمة فكرية وأخلاقية تتجاوز لحظته، لأنه يخاطب الإنسان في جوهره، ويذكره بأن الكلمات قد تغيب عن الذاكرة، لكن آثارها تبقى في القلوب، وأن بعض الجراح تبدأ بعبارة، كما أن بعض المصالحات تبدأ بكلمة صادقة.
إن «الكلمة مسؤولية» ليست عنوانا لمقال فحسب، بل مبدأ ينبغي أن يحكم علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين وبالحقيقة. فالكلمة مرآة الوعي، وميزان الأخلاق، وشهادة الضمير على صاحبه.
*تحية تقدير للدكتور عبد الرحيم جاموس، الذي يذكرنا بأن أرقى أشكال الحرية أن نقول ما نؤمن به بصدق، وأن نزن ما نقول بوعي، وأن نجعل من حروفنا نورا يهدي، لا نارا تحرق؛ وجسورا تصل بين القلوب، لا جدرانا تفصل بينها.*
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹



