كيف يستعبدُ الناسُ الناسَ؟

بقلم أ. رامي المغاري
«متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟»
مقولةٌ مشهورة تُنسب إلى أمير المؤمنين والخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تختصر معنى عظيماً من أسمى معاني الحرية والكرامة الإنسانية.
لكن.. مَنْ هم هؤلاء “الناس”؟ وكيف يُستعبَدون؟
إن كنتَ أباً:
فلا يحق لك أن تتعامل مع أبنائك وكأنك في معسكرٍ عسكري؛ تفرض عليهم ما يأكلون، وترهبهم حين تدخل عليهم، وتغلظ القول والعمل متى شئت، وتقرر عنهم مستقبلهم وما يتعلمون ومن يتزوجون، دون أن تلتفت إلى احتياجاتهم النفسية، أو تصغي لآرائهم وتحترم خياراتهم. الأبناء ليسوا رعية في حظيرةِ مملكتك الخاصة، بل هم أحرارٌ لهم عقولهم ومشاعرهم وشخصياتهم المستقلة.
إن علاقتك بهم ينبغي أن تقوم على الحوار والرحمة والاحترام، وأن تمنحهم المساحة الكافية للاختيار وتحمّل المسؤولية، وأن تعطيهم دون شحٍّ أو بخل، ودون منٍّ أو أذى.
حتى في مقام العبادة والتربية الإيمانية، يقول الله تعالى:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132]؛ فالتربية تحتاج الصبر الدؤوب والقدوة الحسنة، لا التخويف والترهيب الذي ينفّر القلوب ويحوّل الطاعة إلى عبء ثقيل.
وإن كنتَ داعية:
فلا تجعل من الدعوة وسيلة لفرض رأيك على الآخرين، ولا تظن أن امتلاكك للحجة يمنحك الحق في مصادرة عقول الناس أو خياراتهم. يقول الله تعالى:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْموعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125].
الهداية ليست بالإكراه، والحكمة ليست بصلابة الصوت، وقوة الحجة لا تعني أبداً إلغاء حق الآخر في التفكير والاختيار.
أمّا إن كنتَ مسؤولاً:
فلا يجوز لك أن تتعامل مع الرعية وكأنهم آلاتٌ صماء أو أحجارٌ على رقعة شطرنج تحركها كيفما تشاء. أنت مكلّفٌ برعاية مصالحهم وحماية حقوقهم، لا بإخضاعهم وإذلالهم. ويذكرنا القول الإلهي:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].
وإذا كنتَ زعيم أمة:
فعليك أن تحترم إرادة شعبك، وتصون مقدراته، وتصغي إلى مطالبه واحتياجاته المشروعة. لا تتخذ قراراتٍ مصيرية ترهق أمتك أو تعيدها سنواتٍ إلى الوراء دون مراعاة لمصالح الناس وحقوقهم ومستقبل أجيالهم؛ فالسلطة مسؤولية، والقيادة أمانة، والشعوب ليست ملكاً شخصياً لأحد.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128].
وأخيراً وليس آخِراً:
إن قهر الناس وقمع حرياتهم لا يصنعان مجتمعاً سوياً، بل يؤسسان للجهل والخوف والتخلف، ويزرعان في النفوس مراراتٍ يصعب علاجها مع مرور الزمن.
الحرية لا تعني غياب المسؤولية.
التربية لا تعني الاستبداد.
الدعوة لا تعني الإكراه.
والحُكم لا يعني التملّك.
ومن ظنّ أن احترام الناس ينقص من سلطته، فإنه لم يفهم معنى السلطة.. ولا معنى الإنسان!
والله أعلى وأعلم،،،

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com