من الجهد التمريضي إلى الأثر المؤسسي: رؤية إدارية لقياس الأداء في مركز غزة للسرطان، أكتوبر الوردي.. أريج خليل صافي

أكتوبر، يحمل ثلثه الأول مآسي كثيرة وصعابًا أكثر، إلا أن بداية ثلثه الأخير تحمل في طياتها رحلة تبدأ بالوعي، وتسير بصورة تسلسلية ناضجة، حتى تشرق وتزدهر في اليوم الثلاثين من أكتوبر؛ ذاك التاريخ الذي أحببته وأحببته بصدق، لأنه أنا وأنا هو.
وبين الألم والأمل، تتجدد قيمة أكتوبر الوردي بوصفه مساحة للوعي والعمل والتكامل، وهو ما تجسّد في الجهود التي بذلتها فرق التمريض في مركز غزة للسرطان بمجمع ناصر الطبي، بالتعاون مع الأقسام المختصة، لنشر المعرفة حول سرطان الثدي، وتعزيز الكشف المبكر، وتقديم الدعم الصحي والإنساني للمريضات. ومن منظور الإدارة الاستراتيجية، فإن أهمية هذه الجهود لا تقتصر على تنفيذ الأنشطة، بل تمتد إلى القدرة على توثيق نتائجها، وقياس أثرها، وتحويلها إلى معرفة تدعم تطوير الخدمات الصحية.
ومن هنا، يبرز دور قسم خدمات المرضى بوصفه شريكًا في بناء منظومة إدارية تربط الممارسة المهنية بالنتائج، انطلاقًا من مبدأ الإدارة بالنتائج. فعندما تستهدف الفعالية 100 مستفيدة وتصل إلى 80 منهن، فإن نسبة التغطية البالغة 80% تقدم مؤشرًا يساعد على تقييم مدى الوصول إلى الفئة المستهدفة، وتطوير التخطيط للأنشطة المقبلة استنادًا إلى بيانات موثقة، لا إلى الانطباعات وحدها.
ويتكامل ذلك مع مبدأ التركيز على المستفيد وجودة الخدمة، من خلال قياس رضا المشاركات عن المحتوى التوعوي وطريقة تقديمه. فإذا أبدت 45 مستفيدة رضاها من أصل 50 مستجيبة، بلغت نسبة الرضا 90%. وتمنح هذه القراءة الإدارة فرصة للتعرف إلى جوانب القوة وتحديد فرص التحسين، بما يجعل صوت المريضة جزءًا من عملية التطوير المؤسسي.
ولا تكتمل قيمة التوعية بمجرد انتهاء اللقاء، بل تتعزز بقدرتها على ربط المستفيدة بالخدمة المناسبة عند الحاجة. وهنا يتجلى مبدأ تكامل العمليات واستمرارية الرعاية؛ فإذا استكملت 18 حالة من أصل 20 حالة مستحقة الإحالة أو المتابعة إجراءاتها ضمن الفترة المحددة، بلغت نسبة الاستكمال 90%. ويستطيع قسم خدمات المرضى، بالتنسيق مع الفرق الطبية والتمريضية والأقسام المعنية، توثيق مسار المتابعة ورصد الفجوات التي قد تعوق وصول المريضة إلى الخدمة المطلوبة.
أما قياس الأثر المعرفي، فيمثل امتدادًا لمبدأ الإدارة المبنية على الأدلة والتحسين المستمر. فعندما يرتفع متوسط الإجابات الصحيحة لدى المشاركات من 60% قبل النشاط إلى 85% بعده، فإن ذلك يعكس تحسنًا مقداره 25 نقطة مئوية، وفق المثال الافتراضي. ويساعد هذا المؤشر على تقييم فاعلية الرسائل التوعوية وتطوير محتواها، بالتعاون مع فرق التمريض والتثقيف الصحي.
إن الدور الاستراتيجي لقسم خدمات المرضى لا يكمن في الحلول محل أصحاب الاختصاص، بل في استكمال جهودهم من خلال التوثيق والتحليل والتنسيق وتوفير المعلومات التي تدعم القرار. فمؤشرات الأداء ليست أرقامًا لتقييم العاملين بمعزل عن ظروف عملهم، وإنما أدوات لفهم النتائج، وتحديد الاحتياجات، وتوجيه الموارد، وإنصاف الجهد المهني، وتعظيم أثره في جودة الرعاية وتجربة المريضة.
وهكذا، يلتقي الوعي بالعمل، وتلتقي الرعاية بالمعلومة، ويلتقي الجهد التمريضي بالإدارة الفاعلة؛ لتصبح مبادرات أكتوبر الوردي نقطة انطلاق نحو ممارسة مؤسسية مستدامة، لا تنتهي بانتهاء الفعالية، بل تستمر في التخطيط والتحسين وقياس النتائج. فالإدارة الصحية الفاعلة لا تكتفي بأن تسأل عمّا أُنجز، بل تسأل أيضًا عمّا تغيّر، وما الذي تعلمناه، وكيف نجعل الخطوة التالية أكثر جودة وإنسانية وأثرًا.
أريج خليل صافي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com