رباعية إسطنبول: تقاطع المصالح وفرص بناء معادلة إقليمية للاستقرار

بقلم: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي ومحلل سياسي
يعكس اجتماع وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر وباكستان في إسطنبول، يوم 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تقاطعاً سياسياً إزاء مجموعة من الملفات الإقليمية المعقدة، في مقدمتها القضية الفلسطينية، والتطورات في اليمن، وأمن الممرات البحرية، وضرورة احتواء التصعيد المرتبط بإيران عبر الحوار والدبلوماسية. وتكمن أهمية هذا الاجتماع في جمع أربع دول تمتلك ثقلاً سياسياً واستراتيجياً، وتلتقي مصالحها عند ضرورة منع اتساع الصراعات وحماية أمن المنطقة واستقرارها.
ومع ذلك، فإن قراءة نتائج الاجتماع تقتضي التمييز بين التنسيق السياسي الذي تعكسه البيانات المشتركة، وبين قيام تحالف استراتيجي متكامل؛ فالأول يمثل أرضية للتعاون، أما الثاني فيحتاج إلى آليات مؤسسية ومواقف متواصلة وأهداف واضحة تتجاوز حدود التصريحات الدبلوماسية.
فلسطين: من وحدة الموقف إلى فاعلية التحرك
احتلت القضية الفلسطينية موقعاً مركزياً في المباحثات، مع التشديد على وقف العنف، ورفض التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية، والحفاظ على الوضع القانوني والتاريخي للقدس، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، ودعم جهود إعادة الإعمار، وإحياء حل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية.
وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة في ظل استمرار الاحتلال وتداعيات الحرب والأزمة الإنسانية في غزة، وتصاعد التوتر في الضفة الغربية، وما يرافق ذلك من مخاطر على فرص التسوية السياسية. غير أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل التوافق الدبلوماسي إلى خطوات عملية، من خلال التحرك في الأمم المتحدة، وتكثيف الاتصالات مع القوى الدولية، ودعم المساءلة القانونية عن الانتهاكات المثبتة، والعمل على توفير الحماية للشعب الفلسطيني.
وفي هذا السياق، يشكل القانون الدولي مرجعية أساسية لأي معالجة سياسية عادلة. فقد أكد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وما يترتب على ذلك من التزامات قانونية على إسرائيل ودول العالم، وفق ما فصلته المحكمة في رأيها.
ومن هنا، فإن مسؤولية الدول الأربع لا تقتصر على تأكيد حل الدولتين، بل تمتد إلى دعم مقومات تحققه، وصون وحدة الأرض الفلسطينية، ومنع فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والقدس الشرقية، وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على أساس المرجعيات الدولية ذات الصلة.
اليمن وأمن البحر الأحمر
في الملف اليمني، عبّر الوزراء عن تضامنهم مع المملكة العربية السعودية والحكومة اليمنية، وأدانوا الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية والسفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب. ويعكس هذا الموقف إدراكاً للترابط بين أمن الخليج وأمن الممرات البحرية، التي تمثل شرياناً حيوياً للتجارة الدولية وإمدادات الطاقة.
لكن معالجة الأزمة اليمنية تقتضي الجمع بين المتطلبات الأمنية والمسار السياسي؛ فاستمرار المواجهة يفاقم المعاناة الإنسانية ويهدد فرص التسوية، فيما يشكل الحوار الجاد واحترام سيادة الدول وحماية المدنيين مدخلاً ضرورياً لتخفيف التوتر. كما أن أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن الاستقرار الإقليمي، ولا عن المصالح الاقتصادية للدول المطلة عليه والدول التي تعتمد على ممراته البحرية.
مضيق هرمز واختبار الدبلوماسية
أما التطورات المرتبطة بالنزاع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، فتضع أمن الملاحة في مضيق هرمز أمام اختبار بالغ الحساسية. فأي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس على أسواق الطاقة وتكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية، بما يجعل احتواء التصعيد مصلحة دولية مشتركة.
ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى الحوار والدبلوماسية، ورفض استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية والسفن، تمثل مدخلاً لتقليص مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع. كما أن ضمان حرية الملاحة وسلامتها يجب أن يستند إلى قواعد القانون الدولي، بعيداً عن توظيف الممرات البحرية أداةً للضغط أو توسيع نطاق الصراع.
وتبرز أهمية المبادرات الدبلوماسية، بما فيها التفاهمات المشار إليها في الاجتماع، في توفير قنوات اتصال بين الأطراف المعنية، شرط أن تقترن بإجراءات عملية وضمانات واضحة واحترام متبادل للالتزامات.
هل نحن أمام معادلة إقليمية جديدة؟
إن اجتماع السعودية وتركيا ومصر وباكستان يتيح مساحة للتنسيق بين قوى إقليمية وإسلامية ذات مصالح متداخلة. فالسعودية معنية بأمن الخليج واستقراره، ومصر ترتبط مصالحها بأمن البحر الأحمر وقناة السويس والقضية الفلسطينية، فيما تسعى تركيا إلى تعزيز دورها الدبلوماسي، وتمتلك باكستان ثقلاً استراتيجياً وعلاقات إقليمية ودولية مؤثرة.
لكن نجاح هذا التنسيق يظل مرهوناً بقدرته على إدارة التباينات بين الدول المشاركة، وتحديد أولويات مشتركة، وتطوير آليات متابعة تضمن استمرارية التشاور وتحويل المواقف إلى مبادرات قابلة للتنفيذ. كما أن توسيع الحوار مع القوى الأوروبية والدولية يمكن أن يسهم في بناء تفاهمات أوسع بشأن وقف التصعيد والتسويات السياسية وأمن الملاحة.
إن ما يجمع هذه الدول اليوم هو إدراك مخاطر اتساع الصراعات، لكن تحويل هذا الإدراك إلى معادلة إقليمية أكثر استقراراً يحتاج إلى عمل دبلوماسي مستمر، وليس إلى بيانات ظرفية فحسب.
الخلاصة
يمثل اجتماع إسطنبول فرصة لتعزيز التنسيق الإقليمي حول ملفات مترابطة، لكنه لا يشكل، بمفرده، دليلاً على قيام تحالف جديد أو تحول نهائي في موازين القوى. وتبقى النتائج هي المعيار الحقيقي لقياس أهميته، سواء في خفض التصعيد، أو حماية الممرات البحرية، أو دعم الحلول السياسية.
وبالنسبة إلى القضية الفلسطينية، فإن المعيار الأهم يتمثل في مدى ترجمة المواقف المعلنة إلى خطوات تسهم في إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وحماية المدنيين، وإعادة إعمار غزة، وإحياء مسار سياسي جاد يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
إن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق بإدارة الأزمات إلى أجل غير مسمى، بل بمعالجة جذورها السياسية، واحترام القانون الدولي، وصون سيادة الدول وحقوق الشعوب، وتغليب الحلول الدبلوماسية على منطق القوة. ومن هنا، فإن أهمية رباعية إسطنبول ستتحدد بقدرتها على الانتقال من تقاطع المصالح إلى تنسيق فعّال يسهم في بناء الأمن والاستقرار على أسس عادلة ومستدامة



