التعليم في غزة.. معركة إنقاذ الوعي وبناء المستقبل

ورشة «من التشخيص إلى الحل» تبحث التحديات التعليمية وسبل معالجتها بالشراكة الوطنية والمجتمعية

بقلم: شريف الهركلي

حين تُدمَّر المدارس والجامعات، لا تتوقف الخسارة عند المباني والمقاعد الدراسية، بل تمتد إلى عقول الأطفال وأحلامهم وقيمهم وشعورهم بالأمان. وفي قطاع غزة، حيث دفعت الحرب المنظومة التعليمية إلى حافة الانهيار، لم يعد إنقاذ التعليم مجرد استجابة لاحتياج طارئ، بل أصبح معركة وطنية وإنسانية لحماية جيل كامل، واستعادة حقه في المعرفة والحياة والمستقبل.
وفي هذا السياق، عُقدت يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، الورشة الثانية ضمن برنامج «من التشخيص إلى الحل»، بعنوان «التعليم في غزة: نحو معالجة الفاقد التعليمي والقيمي وتحسين جودة البيئة التعليمية»، بالشراكة بين اتحاد حياة غزة، والهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية «صمود»، ومؤسسة تمكين للتدريب والتطوير، وتحالف مؤسسات المجتمع المدني.
وشهدت الورشة مشاركة أ.د. أمجد برهم، وزير التربية والتعليم، والدكتور محمد اشتيوي، رئيس دائرة التعليم في تيار الإصلاح الديمقراطي، والدكتور أحمد لافي، مدير التربية والتعليم بمحافظة رفح، والدكتور محمد شبير، رئيس جامعة العلوم التطبيقية – فرع خان يونس، فيما أدار الجلسة الدكتور محمود شقفة، عضو الهيئة الإدارية للهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية «صمود»، بمشاركة أكاديميين ومختصين وخبراء ومهتمين بالشأن التعليمي.
وأكد الوزير أمجد برهم أهمية مواصلة العملية التعليمية رغم الدمار الواسع الذي أصاب المؤسسات التعليمية، مستعرضًا الجهود الرامية إلى استمرار الدراسة عبر المدارس الافتراضية والتعليم الإلكتروني والامتحانات الإلكترونية، والبحث عن آليات لتعويض السنوات الدراسية المفقودة، بما يحمي مستقبل الطلبة ويحد من اتساع الفجوة التعليمية.
من جانبه، وضع الدكتور محمد اشتيوي، رئيس دائرة التعليم في تيار الإصلاح الديمقراطي، يده على الجرح الأعمق في الكارثة التعليمية التي يعيشها قطاع غزة؛ فالحرب لم تهدم المدارس والجامعات فحسب، بل سرقت من آلاف الأطفال سنواتهم الدراسية، وبدّدت أحلامهم، ووضعت مستقبل جيل كامل أمام خطر الفاقد التعليمي والقيمي والنفسي.
ومن هذا الوجع، انطلقت رؤية تيار الإصلاح الديمقراطي نحو خارطة طريق لمعالجة الأزمة، تقوم على الانتقال من تشخيص حجم الكارثة إلى وضع حلول عملية لتعويض الطلبة عما فاتهم، واستعادة انتظام العملية التعليمية، ودعم المعلمين، وتأمين احتياجات الطلبة، وتحسين البيئة التعليمية، وتوحيد الجهود الوطنية والمجتمعية. فالمطلوب ليس الاكتفاء بوصف حجم المأساة، بل تحويلها إلى خطة واضحة ذات أولويات قابلة للتنفيذ، تحشد الإمكانات وتحدد المسؤوليات وتفتح أمام أطفال غزة طريقًا لاسترداد حقهم في التعليم. فكل يوم يبتعد فيه الطفل عن مقعده الدراسي تتسع فجوة الخسارة، وكل تأخير في المعالجة يضع مستقبل جيل كامل على المحك.
وفي سياق الحضور الوطني والمجتمعي في مواجهة الأزمة التعليمية، برزت مشاركة الهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية «صمود»، التي لم يقتصر حضورها على الشراكة في تنظيم الورشة، بل امتد إلى المشاركة في نقاشاتها عبر خبراء اقتصاديين وسياسيين وإعلاميين، في تأكيد على أهمية توظيف الخبرات الوطنية المتنوعة في معالجة تداعيات الحرب على التعليم. وتبرز أهمية هذه المشاركة في الربط بين احتياجات الطلبة والمعلمين والواقع الاقتصادي والاجتماعي والإعلامي، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، والمساهمة في بلورة مقترحات عملية تدعم صمود المنظومة التعليمية وتحمي حق أطفال غزة في التعلم.
بدوره، استعرض الدكتور أحمد لافي، مدير التربية والتعليم بمحافظة رفح، التحديات التي تواجه الطلبة والمعلمين، من اتساع الفاقد التعليمي والتسرب المدرسي إلى الآثار النفسية والاجتماعية للحرب، مؤكدًا أهمية الاختبارات التشخيصية وبرامج التعليم المسرّع والدورات الاستدراكية، بالتوازي مع استعادة القيم التربوية وتعزيز شعور الطلبة بالأمان والانتماء.
وشدد الدكتور محمد شبير، رئيس جامعة العلوم التطبيقية – فرع خان يونس، على أهمية وضع إطار عملي لتحسين جودة التعليم، وتطوير المناهج والمحتوى التعليمي، وتفعيل المراكز المجتمعية، والاستفادة من الكفاءات والخريجين، وإعطاء المعلم مكانته الأساسية في العملية التعليمية، مع توفير الدعم النفسي والاحتياجات الضرورية للطلبة.
وناقشت الورشة سبل الحد من التسرب المدرسي، وتوفير الكتب والقرطاسية والوجبات، وتطوير التعليم الإلكتروني، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات التعليمية في غزة ورام الله، وتوسيع الشراكات العربية والدولية، وصولًا إلى مقترحات عملية تستجيب للاحتياجات الفعلية للطلبة والمعلمين في ظل الظروف الاستثنائية.
وتأتي هذه الورشة ضمن سلسلة لقاءات ينظمها برنامج «من التشخيص إلى الحل» لمناقشة أبرز التحديات التي تواجه قطاع غزة في مجالات الاقتصاد والتعليم وإزالة الركام والمياه والإغاثة والزراعة المنزلية، بهدف الانتقال من تشخيص الأزمات إلى بلورة حلول واقعية، وتعزيز الشراكة الوطنية والمجتمعية.
إن إنقاذ التعليم في غزة مسؤولية مشتركة تتطلب إرادة وطنية، وتمويلًا مستدامًا، وتكاملًا بين المؤسسات والخبراء ومكونات المجتمع الفلسطيني. فإعادة بناء المدارس وحدها لا تكفي ما لم تترافق مع حماية المعلم، واحتضان الطالب، واستعادة القيم، وتحسين البيئة التعليمية.
قد تهدم الحرب جدران المدارس، لكنها لن تهزم إرادة المعرفة؛ فالتعليم في غزة ليس ملفًا مؤجلًا، بل أولوية وطنية ومسؤولية مشتركة، وبوابة أساسية لاستعادة الحياة وصناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com