من 19 مقعدًا إلى مشروع تأثير

بقلم د. محمد طلال بدران

-مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية

–الحركة الإسلامية – الداخل الفلسطيني

* مقدمة

إن حصد الأحزاب العربية 19 مقعدًا في الكنيست، وفق النتائج التي نتناولها، ليس مجرد إنجاز انتخابي يُحتفى به، بل فرصة سياسية ينبغي استثمارها بعقلانية ومسؤولية. فقد أسهم التحريض والتهديد والتضييق على المواطنين العرب، وهدم المنازل، واستهداف الهوية الفلسطينية، في رفع مستوى الشعور بالخطر، ودفع قطاعات واسعة إلى إدراك أهمية المشاركة والتأثير.

لقد ساهم اليمين المتطرف، بخطابه وسياساته، في تعزيز الشعور بالحاجة إلى الوحدة، لكنه لا ينبغي أن يكون العامل الوحيد الذي يجمعنا؛ فالمجتمع الذي لا يتوحد إلا عندما يتهدده الخطر قد يتفرق عندما تتراجع حدته. أما المجتمع الذي يجمعه مشروع واضح، فإنه يستطيع تحويل الأزمات إلى فرص، والتمثيل السياسي إلى إنجاز مستدام.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من الاحتفاء بالنتائج إلى بناء استراتيجية عمل واضحة، تقوم على المحاور الآتية:

بناء جبهة سياسية مشتركة………..

المطلوب ليس إلغاء الاختلافات الحزبية والفكرية، بل الاتفاق على برنامج حد أدنى للقضايا المصيرية، وإنشاء آلية دائمة للتنسيق بين النواب العرب، بما يضمن توحيد المواقف في القضايا الكبرى، ويمنع تحويل الخلافات الداخلية إلى عامل يبدد القوة الجماعية.

تحويل المقاعد إلى إنجازات ملموسة………

ينبغي وضع برنامج عمل بأهداف محددة ومواعيد زمنية لمتابعة قضايا الأرض والمسكن، وهدم المنازل، ومكافحة الجريمة والعنف، والميزانيات، والتعليم، والصحة، وفرص العمل، والبنية التحتية، والمساواة في الحقوق والخدمات.

فالناس لا تحتاج إلى خطابات احتفالية بقدر حاجتها إلى نتائج يلمسونها في حياتهم اليومية.

مواجهة اليمين المتطرف بأدوات سياسية فاعلة……….

لا تكفي إدانة تصريحات سموتريتش وبن غفير، ولا يكفي التحذير من مخاطر سياساتهما؛ بل يجب توثيق آثار هذه السياسات، ومواجهتها برلمانيًّا وقانونيًّا وإعلاميًّا، وبناء شراكات مع القوى التي يمكن أن تتقاطع مصالحها مع حماية الحقوق والمساواة والديمقراطية.

إن تحجيم اليمين المتطرف يبدأ بمنع احتكاره للمشهد السياسي، وكشف نتائج سياساته، وبناء قوة قادرة على مقاومة الإقصاء والتمييز.

اعتماد مبدأ المحاسبة السياسية………….

ينبغي نشر تقرير دوري يوضح ما أنجزه النواب العرب، وما تعثر، وأسباب التعثر، والخطوات المقبلة. فالمقاعد ليست امتيازًا شخصيًّا أو حزبيًّا، بل تكليف ومسؤولية أمام المجتمع الذي منح أصحابه ثقته.

توسيع المشاركة الشعبية…………

لا ينبغي أن تنتهي العلاقة بين الناخب وممثليه عند صندوق الاقتراع. المطلوب لقاءات دورية مع السلطات المحلية، واللجان الشعبية، والمؤسسات المهنية والأكاديمية، والشباب والنساء، والاستماع إلى احتياجات الناس وإشراكهم في صياغة الأولويات.

حماية الهوية وبناء المستقبل………..

إن الدفاع عن الأرض والهوية الفلسطينية والحقوق الدينية والثقافية ليس منفصلًا عن معالجة قضايا الحياة اليومية؛ بل يجب الجمع بين حماية الوجود الوطني وتحسين الظروف المعيشية، وبين صون الهوية وبناء مجتمع آمن وعادل ومتماسك.

خُلاصة………..

لقد أسهمت سياسات التحريض والتهديد في استنهاض قطاعات من المجتمع العربي، لكن مسؤوليتنا الآن أن نجعل وحدتنا نابعة من رؤية مشتركة، لا من الخوف وحده.

إن المقاعد التسعة عشر قد تمنحنا فرصة للتأثير، لكنها لا تضمنه تلقائيًّا. وما سيحدد قيمة هذا الإنجاز هو قدرتنا على تحويله إلى سياسات تحمي الإنسان والأرض والحقوق، وتحد من نفوذ اليمين المتطرف، وتمنح أبناء مجتمعنا أملًا واقعيًّا بمستقبل أفضل.

لقد وحّدنا الخطر، والآن يجب أن توحّدنا الرؤية، وأن يثبت العمل السياسي أن هذه المقاعد كانت بداية تغيير، لا مجرد رقم في سجل الانتخابات…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com