“وعد بلفور بعد 109 أعوام.. من هندسة الظلم التاريخي إلى إعادة إنتاج المأساة الفلسطينية”

بقلم: د. منى أبو حمدية
أكاديمية وباحثة

تأتي ذكرى وعد بلفور هذا العام محمّلة بأسئلة التاريخ والحاضر، في ظل واقع فلسطيني بالغ القسوة، تتجدد فيه صور الاقتلاع والتهجير ومصادرة الأرض، وتتسع فيه دائرة الاعتداء على الإنسان والمكان والحقوق الوطنية. فبعد أكثر من قرن على الرسالة البريطانية التي رسمت ملامح مرحلة مفصلية في مصير فلسطين، لا تزال تداعيات ذلك القرار حاضرة في بنية الصراع، فيما تكشف الأحداث الراهنة عن استمرار سياسات تستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، وفرض وقائع جديدة بالقوة، وتقويض مقومات الحياة والاستقرار لدى السكان الأصليين.

في الثاني من تشرين الثاني عام 1917، أصدرت الحكومة البريطانية إعلان بلفور، متعهدة بدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، في خطوة اتخذت بشأن أرض مأهولة بشعب له وجوده التاريخي والاجتماعي والسياسي، من دون الاحتكام إلى إرادته أو احترام حقه في تقرير مستقبله. ومن منظور تاريخي وسياسي، مثّل الإعلان تعبيراً واضحاً عن منطق استعماري قاهر تعامل مع فلسطين باعتبارها مجالاً لإعادة ترتيب المصالح الدولية، وتجاهل حقوق أهلها، ثم أُدرج لاحقاً في صك الانتداب البريطاني، ليصبح جزءاً من الإطار السياسي الذي مهّد لتحولات عميقة في بنية المجتمع الفلسطيني ومستقبله.

لقد تجاوزت تداعيات وعد بلفور حدود الإعلان السياسي، وأخذت تتجسد في مسار تاريخي طويل من التمكين الاستعماري، والهجرة المنظمة، وانتزاع الأراضي، ثم النكبة وما رافقها من تهجير جماعي وتدمير للقرى والبلدات الفلسطينية. وتواصلت حلقات هذا المسار عبر الاحتلال العسكري والاستيطان ومصادرة الموارد وتقييد الحركة، حتى باتت القضية الفلسطينية شاهداً على واحدة من أطول حالات الحرمان من تقرير المصير في التاريخ المعاصر. ومن هنا، فإن قراءة وعد بلفور لا ينبغي أن تنحصر في استعادة وثيقة تاريخية، وإنما تستدعي تفكيك منظومة السياسات التي أنتجها ذلك الإعلان، والبحث في كيفية استمرار آثارها بأشكال وأدوات تتغير تبعاً للظروف السياسية والعسكرية.

وتتجلى خطورة المرحلة الراهنة في أن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، ولا سيما منذ حرب الإبادة على قطاع غزة، كشف عن حجم الاستهداف الذي يطال مقومات الوجود الوطني الفلسطيني. فقد تجاوزت الحرب حدود المواجهة العسكرية إلى تدمير واسع للأحياء السكنية والبنية التحتية والمؤسسات الصحية والتعليمية، وفرض ظروف إنسانية قاسية على السكان، بالتوازي مع محاولات دفعهم نحو النزوح والاقتلاع. وفي الوقت الذي كان فيه قطاع غزة يواجه واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، كانت الضفة الغربية تشهد تصاعداً في الاقتحامات والاعتقالات وهجمات المستوطنين وعمليات الهدم والتوسع الاستيطاني، إلى جانب القيود المشددة على حركة الفلسطينيين، بما يكشف عن ترابط المسارات التي تستهدف الأرض والإنسان الفلسطيني في مختلف مناطق الوطن.

ومن موقع القراءة التاريخية، تبدو المقارنة بين وعد بلفور والواقع الراهن ضرورية لفهم امتداد السياسات الاستعمارية، مع ضرورة التمييز بين السياقات والأدوات والمراحل التاريخية المختلفة. ففي عام 1917 جرى التعامل مع مستقبل فلسطين من خلال قرار دولي بريطاني لم يأخذ إرادة شعبها في الحسبان، أما اليوم فتتجسد نتائج ذلك المسار في استمرار الاحتلال والاستيطان والتهجير وفرض الوقائع على الأرض، وسط عجز دولي عن ضمان تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وحماية الحقوق الفلسطينية. لقد تغيرت الأدوات، وتبدلت أشكال السيطرة، لكن جوهر الأزمة ما زال مرتبطاً بحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في الحرية والسيادة على أرضه.

ومن هنا، تبرز مسؤولية بريطانيا التاريخية والسياسية والأخلاقية، باعتبارها الدولة التي أصدرت الإعلان وأسهمت سياساتها اللاحقة في تأسيس مرحلة مفصلية من تاريخ المأساة الفلسطينية. كما أن اعترافها بدولة فلسطين ينبغي أن يتجاوز قيمته الرمزية إلى موقف سياسي وقانوني فاعل، يترجم إلى خطوات عملية تدعم إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وحماية المدنيين، وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي المقابل، تقع على المجتمع الدولي مسؤولية تتجاوز إصدار بيانات القلق والإدانة؛ إذ إن استمرار الانتهاكات من دون محاسبة يكرس مناخ الإفلات من العقاب، ويمنح سياسات القوة فرصة لإعادة إنتاج نفسها. والمطلوب تحرك جاد يضمن المساءلة عن الجرائم المرتكبة، ويوفر الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، ويضع حداً لسياسات التهجير القسري والاستيلاء على الأراضي والعقوبات الجماعية، ويحفظ حق الفلسطينيين في العيش الآمن والكريم على أرضهم.

وبعد مئة وتسعة أعوام على وعد بلفور، تظل الحقيقة التاريخية الأهم أن القرارات الاستعمارية، مهما امتلكت من قوة ونفوذ، لا تستطيع إلغاء حق شعب في وطنه، ولا محو ذاكرته أو انتزاع ارتباطه بأرضه. ففلسطين ليست مساحة جغرافية قابلة لإعادة التشكيل وفق إرادة القوى المتنفذة، وإنما وطن له شعب وتاريخ وذاكرة وحقوق راسخة.

إن وعد بلفور يظل شاهداً على مسؤولية تاريخية لم تُعالج نتائجها، فيما تكشف الوقائع الراهنة أن العدالة المؤجلة تترك جراحها مفتوحة، وتسمح باستمرار المأساة بأشكال جديدة. ومع ذلك، يبقى الشعب الفلسطيني متمسكاً بأرضه وحقوقه الوطنية، حاملاً ذاكرته من جيل إلى جيل، ومواصلاً نضاله المشروع من أجل الحرية والاستقلال والعودة وتقرير المصير.

فالتاريخ الذي حاولوا كتابته على حساب فلسطين، ما زال الفلسطينيون يكتبون فصوله بإرادة البقاء، وبحق لا تمنحه القرارات ولا تسلبه القوة: حقهم في وطنهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com