إنشاء المدرجات الزراعية في جبال الأطلس بالمغرب ضرورة ملحّة

بقلم: يوسف بن مير
إن إنشاء المدرجات الزراعية على امتداد جبال المغرب، وغرس الأشجار فوقها وعلى الهضاب، تمثل فرصة بالغة الأهمية لاستعادة تغذية الفرشات المائية الجوفية، وتعزيز القدرة على مواجهة الظواهر المناخية القصوى، وإرساء منظومة وطنية للتدبير اللامركزي للموارد. ويستند هذا النهج إلى استخلاص الدروس من تجارب دولية متعددة، مع ما يتيحه من إمكانية جعل المغرب نموذجاً عالمياً رائداً في هذا المجال
مراكش
ليس من السهل، في مجال التنمية، تنفيذ مشاريع تحقق مكاسب لجميع الأطراف المعنية دون أن تترتب عنها آثار جانبية غير مقصودة. فعلى سبيل المثال، قد تؤدي الجهود الرامية إلى تطوير الزراعة المستدامة في المجتمعات المحلية، من خلال تشجيع زراعة الأصناف المحلية من البذور وتحسين كفاءة الري، إلى ارتفاع قيمة الأراضي بفعل زيادة المردودية والعائدات الزراعية. وقد يجعل ذلك من الصعب على صغار الفلاحين الذين يستغلون أراضيهم عن طريق الكراء تحقيق المردودية نفسها مقابل تكاليف الإيجار التي يتحملونها. وإلى جانب ذلك، فإن الغالبية العظمى من سندات ملكية الأراضي والعقارات في العالم مسجلة بأسماء الرجال، وهو ما قد يجعل التنمية الزراعية، في بعض الحالات، عاملاً إضافياً في تعميق التفاوتات الاقتصادية القائمة على النوع الاجتماعي.
في المقابل، هناك تدخلات في مجال المياه تنعكس آثارها الإيجابية على جميع الفئات المستفيدة منها. فتيسير الحصول على مياه الشرب المأمونة في المناطق القروية يساهم في الحد من وفيات الرضع والأمراض المنقولة عبر المياه، كما يشكل عاملاً أساسياً في تعزيز تمدرس الفتيات، من خلال إعفائهن من عناء قطع مسافات طويلة يومياً لجلب المياه.
ويُعد إنشاء المدرجات الزراعية على امتداد السلاسل الجبلية الشاسعة، من ضفاف الأودية ومجاري المياه عند سفوح الجبال وصولاً إلى القمم، إلى جانب الاحتفاظ بالمياه فوق الهضاب المرتفعة، من الممارسات المجتمعية التي لم تحظَ بعد بما تستحقه من اهتمام، رغم ما توفره من إمكانات كبيرة لمعالجة أزمة المياه في المغرب. فمن شأن هذه المدرجات احتجاز مياه الأمطار والينابيع أو إبطاء جريانها السطحي في المرتفعات، بما يتيح لها التغلغل في التربة والوصول إلى الفرشات المائية الجوفية. كما تسهم في استحداث مساحات زراعية جديدة يمكن توزيع فرص الانتفاع بها بصورة أكثر إنصافاً، فضلاً عن الحد بدرجة كبيرة من انجراف التربة وتآكل المنحدرات الجبلية. والأهم من ذلك أن الاحتفاظ بالمياه في أعالي الأحواض المائية يتيح الاستفادة من التساقطات المطرية المتقطعة لفترات أطول، وتحويلها إلى موارد مائية متاحة خلال فترات الجفاف الممتدة، سواء للمجتمعات الجبلية أو للمناطق الواقعة في أسفل الأحواض.
لقد أصبحت ندرة المياه في المغرب أزمة بالغة الخطورة، فيما تتزايد احتمالات تفاقمها في السنوات المقبلة. فعلى مدى السنوات الثماني الماضية، شهدت البلاد موجة جفاف استثنائية من حيث الحدة والاستمرارية، انتقلت خلالها من وضع اتسم بوفرة نسبية في الموارد المائية إلى حالة من الندرة المائية الهيكلية. وقد تسببت سلسلة من السنوات شديدة الجفاف، خلال الفترة الممتدة من 2019 إلى 2025، في تراجع حاد للإنتاج الزراعي، واستنزاف مخزونات السدود، وتسارع وتيرة استنزاف المياه الجوفية. وانخفض نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة من نحو 2,500 إلى 2,600 متر مكعب سنوياً خلال ستينيات القرن الماضي، إلى ما يقارب 600 إلى 620 متراً مكعباً اليوم، لتصبح البلاد على مقربة من عتبة الندرة المائية المطلقة، المحددة في 500 متر مكعب للفرد سنوياً.
وقد كان القطاع الزراعي الأكثر تضرراً، باعتبار أن 80 في المائة من الأراضي المزروعة تعتمد على التساقطات المطرية، الأمر الذي أدى إلى زيادة التقلبات على مستوى الاقتصاد الكلي. ففي عام 2022، على سبيل المثال، تراجعت نسبة ملء السدود الرئيسية في البلاد إلى 32.8 في المائة. وأسهم هذا الوضع في اتساع الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، وتسريع استنزاف المياه الجوفية، وزيادة هشاشة العديد من صغار الفلاحين، الذين اضطر بعضهم إلى بيع أراضيهم والتحول إلى العمل المأجور.
واستجابة لهذه التحديات، عملت الحكومة المغربية على تطوير أطر وسياسات وطنية كبرى، من بينها قانون سنة 2016 الرامي إلى تعزيز اللامركزية والتدبير المجتمعي للموارد، ومخطط المغرب الأخضر، والمخطط الوطني للماء في أفق 2050. وتركز هذه التوجهات على بناء السدود، وتحلية مياه البحر، واعتماد تقنيات الري المقتصدة للمياه، والتدبير المندمج للموارد المائية على مستوى الأحواض. ومع ذلك، يبدو أن استهلاك الفلاحين للمياه الجوفية لأغراض الري لا يزال مستمراً بالوتيرة نفسها، متى توفرت هذه المياه، في حين تظل البدائل الزراعية التجديدية والمستدامة هامشية إلى حد كبير ضمن الممارسات الفلاحية المعتمدة.
إن إقامة المدرجات الزراعية على امتداد السلاسل الجبلية الشاسعة في البلاد، وغرس أصناف محلية من الأشجار المثمرة والأشجار الغابوية فوقها وعلى هضاب القمم الجبلية، من شأنهما احتجاز المياه وإعادة تغذية الفرشات المائية الجوفية بأكثر الطرق فعالية. ويشكل هذا التدخل أولوية وطنية لضمان استدامة الموارد المائية، وتعزيز القدرة على الصمود أمام التغيرات المناخية، وتحقيق الأمن الغذائي. ولن تقتصر فوائده على المجتمعات الجبلية التي تعاني من أشد مستويات الفقر في المغرب، بل ستمتد أيضاً إلى المناطق المنخفضة التي ستستفيد أحواضها المائية من إعادة تغذية واسعة النطاق بفضل هذا التدخل.
وعلى مدى ستة وعشرين عاماً من العمل في مجال التنمية القروية بالمغرب، ظلت إقامة المدرجات الزراعية إحدى الأولويات التي عبّرت عنها المجتمعات الفلاحية الجبلية باستمرار في إطار عمل مؤسسة الأطلس الكبير. فمن شأن إنشاء المدرجات الزراعية توسيع المساحات الزراعية المتاحة بما يعود بالنفع على جميع الأسر، مع إمكانية تخصيص جزء منها للتعاونيات والجمعيات النسائية. ويتيح ذلك للنساء الاندماج في المجال الزراعي باعتبارهن منتجات يمتلكن زمام استغلال محاصيلهن، وقادرات على توفير فرص عمل لأنفسهن وتأمين مصدر دخل منتظم ومستدام.
ولحسن الحظ، تتوفر في المغرب مجموعة من الأشجار القادرة على النمو بشكل جيد في جبال الأطلس، تجمع بين إنتاج الثمار والخصائص المقاومة للظروف الطبيعية التي تتميز بها الأشجار الغابوية، ولا سيما قدرتها على الاستمرار دون الحاجة إلى الري بعد السنوات الأولى من نموها. وتشمل هذه الأشجار أصنافاً محلية متوطنة من الخروب، الذي يسهم أيضاً في تثبيت النيتروجين وتعزيز خصوبة التربة، والتين، والأركان، واللوز، والفستق، والزيتون. كما تُعد أنواع الأشجار الغابوية المحلية، مثل البلوط والعرعار والأرز والأكاسيا، خيارات قابلة للتطبيق بدرجة كبيرة. أما جدران المدرجات الزراعية، فتُبنى أساساً باستخدام الصخور الكبيرة، وهي مادة متوفرة بكثرة في الشعاب والمنحدرات الجبلية المتآكلة، نتيجة إزالة الغطاء الغابوي التي شهدتها هذه المناطق على مدى أجيال متعاقبة.
وقد تمثّل الجانب الأكثر تدميراً في الزلزال الذي ضرب الأطلس الكبير سنة 2023 بقوة 6.8 درجات على مقياس ريختر في تساقط الصخور من المنحدرات الجبلية على المنازل، وهو خطر كان من الممكن أن تسهم إقامة المدرجات الزراعية في معالجته بصورة جوهرية. فهذه المدرجات تشكل تدبيراً وقائياً مهماً من شأنه حماية التجمعات السكنية في القرى في حال وقوع كارثة طبيعية مماثلة مستقبلاً.
لقد بلغت أزمة المياه بالفعل مستويات تقترب من حالة الطوارئ الوطنية. وفي حين تظل مشاريع البنية التحتية الكبرى، ولا سيما تلك المتعلقة بتحلية مياه البحر، بالغة الأهمية ولا غنى عنها، فإن اعتماد نهج إقامة المدرجات الزراعية في المناطق الجبلية قد يشكل التدخل الأكثر تميزاً وفاعلية في استعادة وظائف الأحواض المائية، وتهيئة البلاد لمواجهة أزمة مناخية تزداد تهديداً، وتتفاقم آثارها عاماً بعد عام.
وقد أدركت دول أخرى حجم التحديات البيئية التي تواجهها، بل استعانت بمؤسساتها العسكرية للمساهمة في التصدي لهذه الأزمات. وقد بلغ تحدي إقامة المدرجات الجبلية وغرس الأشجار المحلية المتوطنة فوقها، بما يخدم أكبر الأحواض المائية في المغرب، مستوى من الإلحاح والأهمية الاستراتيجية يستدعي تعبئة مماثلة.
فمن برنامج الجنود البيئيين في كينيا، ومبادرة الإرث الأخضر في إثيوبيا، إلى فرقة العمل البيئية في الهند، وتجربة إنشاء المدرجات الزراعية في إريتريا، وحملة غرس مليون شجرة في الفلبين، استعانت هذه الدول بمؤسساتها العسكرية للمساهمة في جهود استعادة النظم البيئية. ويربط البرنامج الكيني جهوده بمفهوم الأمن البيئي، فيما أنشأت الهند فرقة عمل متخصصة في الاستعادة البيئية. ويتمثل القاسم المشترك بين هذه التجارب في أن الحكومات التي تواجه تحديات انجراف التربة وإزالة الغابات والمخاطر المناخية تستطيع الاستفادة من قوة عاملة منضبطة، تتمتع بقدرات لوجستية وتنظيمية، ويمكنها الوصول إلى المناطق المتدهورة بيئياً وتعبئتها بسرعة لتنفيذ حملات وطنية واسعة النطاق.
إن أفراد المجتمعات الجبلية، شأنهم شأن سائر المواطنين، مطالبون بتأمين متطلبات عيشهم اليومية، ولا تسمح لهم إمكاناتهم بتحمل تكاليف تخصيص الأشهر والسنوات اللازمة لإنجاز هذا العمل الحيوي، سواء لمصلحة مجتمعاتهم أو خدمة للمصلحة الوطنية، دون مقابل مادي. وإضافة إلى ذلك، فإن المناطق الجبلية الواقعة فوق المجاري المائية تُعد من الأملاك العمومية الخاضعة لوصاية الوكالة الوطنية للمياه والغابات، كما أن هذا النشاط ينسجم تماماً مع استراتيجيتها في أفق 2030، التي تضع الشراكة مع المجتمعات المحلية في صلب أولوياتها.
غير أن ضخامة حجم هذا العمل تفرض ضرورة تعبئة الموارد والإمكانات الوطنية لإنشاء المدرجات الزراعية في جبال الأطلس بالمملكة. ومن أجل تحقيق الأمن المائي القائم على الاعتماد على الذات، وتعزيز الإنتاج الغذائي، وتمكين النساء، وتحقيق الاستقرار البيئي، وترسيخ القدرة على الصمود، واستعادة النظم البيئية، وإرساء أسس الاستدامة الوطنية، فإن إقامة المدرجات الزراعية في المناطق الجبلية مشروع لا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة ملحّة لا مفر منها. كما سيسهم هذا المشروع في تحويل خارطة الطريق الوطنية للامركزية إلى واقع ملموس، من خلال إرساء شراكات بين القطاعين العام والخاص، وتعزيز مشاركة المواطنين في تنفيذ المبادرات التي اختارتها المجتمعات المحلية واستجابت من خلالها لتطلعاتها واحتياجاتها.
الدكتور يوسف بن مِير هو رئيس مؤسسة الأطلس الكبير بالمغرب.



