حين تتراجع القيادات… الاحتلال يملأ الفراغ!.. بقلم/ حلمي أبو طه

في اللحظات الفارقة من تاريخ الشعوب، لا يكفي امتلاك البندقية، أو رفع الشعارات. فثمة ما يُخطط في الظلام لتفكيك الجبهة الداخلية، واستبدال الوعي الوطني بشبكة تضليل تُدار بعقول أمنية صهيونية. فلم تعد أدوات الاحتلال تقتصر على القوة العسكرية. إسرائيل اليوم تخوض حرباً لتفكيك الداخل الفلسطيني، عبر صناعة بدائل سياسية ومجتمعية مزيفة، ترتدي اللباس الوطني وتخاطب الناس بلغتهم. فما نراه ليس أمراً عفوياً ولا تعبيراً عن دينامية اجتماعية حرة. بل هو جزء من مشروع صهيوني دقيق ومدروس، يتبنى خطاب الخنوع مقابل وعد بالنجاة.

ما نراه من تشويش وارتباك في المشهد الفلسطيني، يعتمد تفتيت الموقف الفلسطيني إلى كانتونات هشة، وبناء بدائل سياسية محلية تُنطق بلغة العدو وتخدم روايته. إن ما يمنح الشرعية الحقيقية للقيادة هو قدرتها على تمثيل الكتلة الشعبية، والانغماس في معاناتها، والارتباط النزيه بمصالحها، لا الترفع عليها أو الانفصال عنها، أو الكيل بمكايل مختلفة. فواقع القيادة الفلسطينية اليوم: يعكس شرخاً عميقاً. فمن رام الله إلى غزة، ومن شتات البيروقراطية إلى خيام الإيواء، لم تعد مؤسسات التمثيل الوطني، ولا حتى الحركات الكبرى، قادرة على إقناع الناس بأنهم في صُلب القرار.

ما يجري في بعض المحافظات ليس شطحات فردية ولا اجتهادات عشائرية عابرة. بل نحن أمام وكلاء سياسيين جدد، يستهدفون ضرب وحدة الشعب من الداخل، وخلق بدائل وظيفية للقيادة الوطنية، تُدار من غرف أمنية صهيونية ببطاقات هوية فلسطينية. نبتت في ظل هذا الفراغ الوطني الممنهج، وغياب استراتيجية جامعة، ومناخ من الألم والتشظي واليأس. فتسلل منه الطارئون، وبرزت أصوات “العشائر المُنتقاة” و”العباءات والذقون المُرسلة”، وأصحاب الياقات والقرافات واللكنات الاجنبية ليتحدثوا باسم الشعب، أو باسم مدنها وقراها، لا بحثاً عن الكرامة، بل لعقد الصفقات وتبرير الخيانة. وهنا، تكمن الخطورة الكبرى: في استغلال وجع الناس لبناء مشاريع مشبوهة. وما تصريحات “الا وديع” ومن لفّ لفه إلا أحد التجليات القبيحة لهذا الانحراف؛ حيث تُستخدم العباءة الاجتماعية غطاءً لانقلاب سياسي على الهوية الفلسطينية الجامعة.

الهدف واضح: إحلال صيغ مزيفة بديلة عن القيادة الوطنية الجامعة، وتشكيل سلطات ظلّ تخاطب العدو لا بصوت الكل الفلسطيني، بل بصوت الخضوع. هؤلاء لا يتحركون فرادى، بل ضمن هندسة كاملة تُدار وتُموّل وتُغطّى من داخل “المؤسسة الأمنية الإسرائيلية”، وفق عقيدة ثابتة: تفتيت الفلسطيني إلى فرد أعزل، وإغراؤه بالتمثيل مقابل دفن وعيه الوطني. وهكذا، نرى من ينادون اليوم بنماذج “إدارات محلية” أو “كيانات مستقلة”، يدّعون تمثيل الناس، بينما هم يصنعون من أنفسهم رافعات لشرعية الاحتلال. يمهدون لسلطة إسرائيلية بأسماء فلسطينية، يُشرعنون الاحتلال سياسياً وأمنياً واقتصادياً. وليس هناك أخطر من خيانة مغلّفة بلغة الإصلاح.

اللوم لا يقع فقط على تلك “الأصوات المنحرفة”، بل يتحمل جزء كبير منه القيادة ذاتها التي سمحت بتمدد الظلال، إذ لم تعد تملك أدوات العمل الاجتماعي ولا تتقن مخاطبة الشارع، ولا تبادر إلى إعادة تعريف علاقتها بالمواطن، إلا من زاوية التحكم أو التبرير أو التخوين. فقد أنشغلت في صراعاتها الداخلية، وساهمت في تنشيط الجهوية والعشائرية. بينما أثبتت التجارب، أن البنية الوطنية لا تصمد بالخطب فقط، بل بقدرة القيادة على تجديد نفسها، وتوسيع قاعدة تمثيلها، وتعزيز ثقة الناس فيها. فالفراغ لا يُملأ إلا بالحقيقة، وإن لم تفعلها القيادة الوطنية، سيفعلها الآخرون بالأكاذيب. وعليها أن تدرك أن التمثيل لا يُمنح إلى الأبد، بل يُنتزع بالبذل والتضحية والانغماس الكامل في هموم الناس. فكلما ضعف الحضور الشعبي للقيادة، زادت فرص اختطاف التمثيل، وتحوّل النضال إلى رخصة للاسترزاق أو لتثبيت الامتيازات.

لْتُعلَن بوضوح: لا إمارة للخونة، ولا تمثيل للجبناء، ولا شرعية لمن يساوم على دم الشهداء. فنحن اليوم أمام لحظة مراجعة حقيقية: إما أن تستعيد القيادات الوطنية توازنها الاجتماعي والسياسي، أو تترك الساحة لرجال الظل، الذين لا يرون في الخليل والقدس وغزة ونابلس وجنين ورام الله سوى أسواق للصفقات، وقطع غيار على طاولة المفاوضات المجانية. كما إن الوحدة الوطنية ليست خياراً بل ضرورة مصيرية، تستلزم تجاوز الخلافات الداخلية ومواجهة كل المحاولات الهادفة إلى تفتيت الشعب أو إضعاف إرادته. ولا بد أن تعي القيادة حجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقها، فتعمل على تجديد نفسها وتوسيع قاعدة تمثيلها لتعكس هموم وتطلعات شعبها بكل صدق وإخلاص. إزاء ذلك، لن نسمح بأن تُدار أراضي فلسطين عبر “نظام بديل” يولد من رحم التنسيق الأمني أو الأجندات الإسرائيلية والخارجية. فكل من يمهد الطريق أمام العدو هو خائن يجب أن يُعرّى.فمن يمد يده للعدو ليأخذ شرعية، فقد سحبها من صدور شعبه وحفر اسمه في قائمة العار. لن يُسمح بتحويل فلسطين إلى “ساحة مناورات سياسية”، أو أن تُدار بوصفة صهيونية، أو أن ينشأ فيها وكلاء بملامح محلية يتحدثون بلهجتنا ويتنفسون مشروع الاحتلال. فهذه الأرض لها أصحاب، وللتاريخ ذاكرة لا ترحم، وللشعب سيف لن يغمده إلا في رقاب الخونة. وإسرائيل لن تنجح في صناعة وطن جديد على أنقاض وعينا — ما دام فينا نبضً وفكرة – فلنكن جميعاً صناع مستقبل فلسطين، بالإرادة الواعية والقلب المخلص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com