مخطط ترامب لتهجير سكان غزة والهجمة الموازية على مصر والأردن والسعودية: أين الحقيقة؟.. بقلم/ د. عبد الرحيم جاموس

لم يعد ما يُخطَّط لغزة محض “أوهام” أو “تكهنات إعلامية”، بل أصبح مشروعًا سياسيًا مدروسًا، عبّر عنه دونالد ترامب بوضوح منذ عام 2020 ضمن ما سُمِّي “صفقة القرن”، وتجلّى مؤخرًا في تصريحات صريحة عن “إخراج سكان غزة” وإعادة توطينهم في دول مجاورة، في مشهد يعيد للأذهان نكبة 1948.
ولكن اللافت والخطير هو تزامن هذا المخطط مع حملة موازية ومنظَّمة، تستهدف جمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية والمملكة العربية السعودية، من قبل جماعة الإخوان المسلمين ومن يدور في فلكها من إعلاميين ومؤثرين وشخصيات مأزومة سياسياً، ممن يعملون على قلب الحقائق، وتحميل هذه الدول مسؤولية حصار غزة، والتغطية على المسؤول الحقيقي: الاحتلال الإسرائيلي والراعي الأمريكي لمشروع التهجير والتجويع الجماعي.

التهجير: سياسة لا تصريح ، منذ بداية الحرب على غزة في أكتوبر 2023، روّج دونالد ترامب، مجددًا في حملته لعام 2024، لفكرة تحويل غزة إلى “ريفييرا شرق أوسطية”، من خلال “إفراغها من سكانها” وإعادة توطينهم في مناطق خارجية أكثر “استقرارًا”. هذا الكلام لم يأتِ عابرًا، بل تعزز بتقارير مسرَّبة من مراكز أبحاث أمريكية وإسرائيلية ، وتقاطع مع محاولات ضغط على مصر والأردن لقبول أجزاء من سكان غزة تحت عنوان “الممرات الآمنة”.
هذه التصريحات ترافقت مع واقع ميداني كارثي: إبادة جماعية، دمار شامل، تدمير للبنية التحتية، قصف للمخابز والمستشفيات، وتكتيك ممنهج لخلق بيئة طاردة. كل هذا يشير إلى سياسة تهجير غير معلنة، تنفَّذ بالأدوات الميدانية لا بالمراسيم الرسمية.

مصر في مرمى النيران الإخوانية: قلب المعادلة ، بدل أن توجَّه أصابع الاتهام نحو الاحتلال الإسرائيلي الذي يشن حرب إبادة شاملة منذ أكثر من 22 شهرًا، مدعومًا بالصمت الأمريكي، تفاجأ المتابع بتصعيد ممنهج من بعض الأصوات المحسوبة على الإخوان المسلمين ومستنسخاتهم الإعلامية، الذين يتهمون مصر بأنها تحاصر غزة، وتتواطأ في تجويعها، وتمنع دخول المساعدات الإنسانية!
هذا الخطاب التحريضي لا يستند إلى واقع، بل يتجاهل: أن معبر رفح كان ولا يزال المعبر الوحيد المفتوح أمام المساعدات منذ اليوم الأول للعدوان.
أن مصر تتحمّل عبئًا إنسانيًا وأمنيًا غير مسبوق على حدودها الشرقية، في ظل ضغوط إسرائيلية وأمريكية لقبول سيناريو “الممر الآمن” و”المناطق العازلة”، وهو ما رفضته القاهرة قطعًا وبشكل علني.
أن مصر رفضت منذ أيام خطة “إعادة توطين الغزيين في سيناء”، رغم إغراءات مالية هائلة ومحاولات فرض سياسية، ما يجعل موقفها سدًا منيعًا أمام مخطط التهجير، لا شريكًا فيه.
لكن أدوات الجماعة، كما هي عادتها، تخلط الأوراق وتبرّئ الجلاد، وتدين الضحية، في محاولة لتفكيك الجبهة العربية التي تصدّت سياسيًا وميدانيًا لمخططات تفريغ غزة وتصفية القضية الفلسطينية.
الأردن والسعودية: مواقف ثابتة تُواجه بالتشويه كذلك، لم يسلم الأردن والسعودية من الهجوم.
فالأردن، الذي يرفض توطين اللاجئين الفلسطينيين ويصرّ على حق العودة، يُتهم بأنه يخذل غزة، في حين أنه يواجه ضغوطًا إسرائيلية يومية تتعلق بالضفة الغربية والوصاية الهاشمية على المقدسات.
أما السعودية، فمع كل موقف سياسي متوازن تصدره، وكل تحرك دبلوماسي يعبّر عن الرفض الصريح للعدوان الإسرائيلي، تُواجه هي الأخرى بحملة تشويه عبر منابر إعلامية مأجورة، تستغل معاناة الغزيين لأغراض حزبية لا وطنية.

تحريف بوصلات الوعي : هذه الحملات المضللة تستهدف تحريف الوعي الشعبي العربي، وتحويل أنظار الجماهير الغاضبة من الاحتلال إلى الدول العربية المركزية، في محاولة خبيثة لتفكيك الموقف العربي، وجرّ الشارع نحو صدامات داخلية تُخدم إسرائيل ومشروعها لا فلسطين.
الأسوأ من ذلك أن هذه الحملات توفر غطاءً غير مباشر لمخطط ترامب – نتنياهو، حيث تتيح تسويق فكرة أن غزة بلا ظهر سياسي عربي، وأن أهلها “يريدون الرحيل” بسبب ظلم محيطهم، لا الاحتلال …!
وهذه هي “الفتنة الكبرى” التي يُراد إشعالها بين العرب أنفسهم.

ليس من المبالغة القول إن الهجوم على مصر والسعودية والأردن، في هذه اللحظة، هو جزء من أداة تنفيذ مشروع التهجير لا أداة مقاومته.
وإذا كانت “صفقة القرن” قد وُلدت كخطة تصفية، فإن أدوات تنفيذها اليوم ليست فقط الطائرات والدبابات، بل أيضًا الأقلام المسمومة والأصوات الكاذبة التي تُضلل وتُحرّض وتشوّه.
إن الموقف المصري، الرافض لأي توطين أو نقل قسري، يمثل الخط الأحمر الأخير الذي يقف في وجه إعادة سيناريو النكبة. وهو موقف لا يجب أن يُهاجم، بل يُدعَم ويُحتضَن.

خلاصة القول :
مخطط التهجير قائم وممنهج، بقيادة إسرائيلية وغطاء أمريكي.
العدوان على غزة يُنفَّذ بأدوات عسكرية، والتهجير يُنفَّذ بأدوات سياسية ونفسية ومعيشية.
الحملة على مصر والدول العربية الرافضة للتوطين هي جزء من المشروع، وليست “اجتهادات بريئة”.
الواجب الوطني الفلسطيني والعربي اليوم أن يُفكّك خطاب الإخوان الإعلامي التحريضي، ويُعيد البوصلة نحو العدو الحقيقي: الاحتلال ومن يدعمه.
فلا مقاومة بدون وعي، ولا وحدة بدون تحديد واضح للخصم، ولا نصر دون مواجهة مخططات التهجير بكل وجوهها، الظاهرة والخفية.

د. عبدالرحيم جاموس
30/7/2025 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com