خاطرة عابرة من وحي الأعياد الميلادية المجيدة المقبلة 

في كل عام وفي مثل هذه الأيام يدور سجال بين المسيحيين الفلسطينيين حول عيد الميلاد وهل هو عيد ديني او عيد وطني.
نحن نتفهم هذا السجال والذي يأتي في بعض الأحيان من اجل الحفاظ على رسالة العيد واهميته الكنسية والروحية والايمانية والعقائديه.
نعم عيد الميلاد هو عيد كنسي بامتياز وهو عيد التجسد الإلهي وميلاد الرب يسوع المسيح الذي أتى الى هذا العالم مخلصا وفاديا ومعتقا المسكونة كلها من حقبة الخطيئة وناقلا إياها الى حقبة البركة والنعمة والخلاص .
نعم هو عيد كنسي بامتياز لا سيما انه في مغارة بيت لحم تحققت كافة النبؤات التي تحدث عنها الأنبياء في اسفارهم حول مجيء المخلص .
انه عيد كنسي وعيد ايماني وروحي بامتياز نتمنى ان يساهم من اجل تكريس مزيد من التعاون والتضامن والتلاحم بين كافة المسيحيين في هذه الديار فلغة المحبة هي التي يجب ان تكون وبدون المحبة كيف يمكن لنا ان نتحدث عن ميلاد السيد حيث تجسدت محبته للإنسانية في مغارة بيت لحم .
ولكن يجب ان نعرف أيضا بأن الميلاد ليس حدثا تاريخيا فحسب وليس حدثا خلاصيا وايمانيا فحسب بل هو حدث غيّر وجه العالم وحتى اليوم من يكتبون التاريخ يُسطّرون ويقولون اذا ما كان ما يكتبون عنه كان ما قبل الميلاد او بعد الميلاد.
ان ميلاد الرب يسوع المسيح هو مصدر تقديس لكل المؤمنين في العالم بأسره فمخطىء من يظن ان ميلاد السيد هو له وليس لغيره فرسالة المسيح في هذا العالم ليست مقصورة على فئة او شريحة معينة من الناس ، فلا يجوز للبعض اختزال المسيحية في مكان زمني وبين جدران محددة فرسالة المسيحية ليست محدودة او مقصورة او محاصرة بين جدران وفي مكان محدد .
اقرأوا ترانيم عيد الميلاد ففيها مدرسة لمن يريد ان يتعرف على هذا العيد وما يعنيه وفي احدى الترانيم نقول بأنه اتى لكي يقدس المسكونة كلها .
في حديثنا عن الميلاد لا يجوز ان نستعمل لغة الكراهية والتعصب والاقصاء لاي انسان حتى ولو لم يكن مسيحيا فليست هذه هي المسيحية وليس هذا هو الايمان المسيحي.
تعلموا من صاحب الميلاد المحبة التي لا حدود لها والرحمة التي لا حدود لها أيضا والغفران والمسامحة وانطلاقا من ايماننا بفادينا التي تجسد وولد في مغارة بيت لحم فإننا نرى ان واجبنا المسيحي والإنساني يحثنا على ان نكون الى جانب كل انسان مظلوم ومتألم ومعذب سواء كان مسيحيا او غير ذلك ، فمحبتنا للإنسان ليست مشروطة بانتماء عقائدي او طائفي ، فلم نسمع في يوم من الأيام من اتى مولودا ومتجسدا من اجل خلاصنا بأن دعانا قائلا احبوا فلان او اكرهوا فلان ، بل علمنا المحبة التي لا حدود لها وقال احبوا كل انسان ، والمحبة في المسيحية ليست مشروطة بأي شكل من الاشكال .
ان تكون مسيحيا فلسطينيا وان تدافع عن شعبك الفلسطيني وقضيته العادلة وان تكون مع غزة في محنتها هذا ليس شأنا سياسيا فقط ، ولا يجوز ان يختزل على انه شأن سياسي بل هو شأن انساني واخلاقي ومسيحي بالدرجة الأولى .
لا يعقل ان يكون المرء مسيحيا حقيقيا وان يتجاهل معاناة الانسان في فلسطين ومحنة الاهل في غزة وهذا لا يعني أيضا ان نتجاهل محنة الانسان في هذا المشرق وفي أي مكان في هذا العالم ، فحيثما هنالك الم وحزن ومعاناة نحن نقف الى جانب الانسان في آلامه واحزانه ومعاناته .
هنالك حقيقة تاريخية لا يجوز ان ينكرها احد ان الميلاد تم في ارضنا المقدسة في فلسطين الجميلة والمباركة والتي نتمنى لها ولاهلها ان يعيشوا في سلام وطمأنينة والخير ذاته نتمناه لكل انسان في هذا العالم .
فاذا لم يكن عيد الميلاد عيدا وطنيا في فلسطين فأين يمكن ان يكون فهنا موطن المسيح وهنا ارض التجسد والفداء ومن الطبيعي ان يكون عيد الميلاد إضافة الى بعده الايماني والكنسي ان يكون عيدا وطنيا بامتياز والبعد الوطني لعيد الميلاد لا ينتقص من بعده الايماني والكنسي لا بل يعزز من هذه الهوية ومن هذا البعد الروحاني الأصيل .
عندما أتت السلطة الوطنية الفلسطينية اول اعلان صدر عن الرئيس الراحل ياسر عرفات هو اعتبار الأعياد المسيحية الكبرى هي أعياد وطنيه بمعنى انها عطلة رسمية والمقصود بذلك عيد الميلاد حسب التقويم الغربي والشرقي وعيد القيامة حسب التقويم الغربي والشرقي ، وذلك باعتبار ان هذه الأعياد الذي يحتفي بها المسيحيون هي مرتبطة بهذه الأرض وفيها تمت هذه الاحداث الخلاصية.
فأنا استغرب من أولئك الذين يقولون بأن عيد الميلاد  ليس عيدا وطنيا في هذه الديار ، نعم انه ليس عيدا وطنيا فحسب بل هو عيد كنسي بامتياز ولا يجوز اهمال وتجاهل هذه الابعاد كلها.
نتمنى من المسيحيين الفلسطينيين ان يكونوا اكثر وعيا وانتماء وحرصا فانتماءنا المسيحي يعلمنا أيضا كيف يجب ان ننتمي الى هذه الأرض وشعبها وقضيتها فكيف بالحري عندما تكون هذه الأرض هي ارض البركة والنور وهي ارض التجسد والفداء والقيامة .
نحن بحاجة الى الوعي لكي نتمكن من التمييز ما بين الخيط الأبيض والخيط الأسود فنحن نرفض انكار البعد الروحي والايماني والكنسي العميق لعيد الميلاد كما ولغيره من الأعياد المسيحية ، ولكن وجب الا يتم تجاهل حقيقة ان هذه الأعياد مرتبطة بهذه الأرض لا سيما ان من نحتفي بميلاده اتى من اجل ان يقدس العالم بأسره وقد قدس هذه الأرض بحضوره ونحن نتمنى ان يكون أبناء الأرض المقدسة مقدسين أيضا كما هي الأرض مقدسة برسالتها وتاريخها وبهائها وجمالها .
لا تقولوا لنا انه ليس عيدا وطنيا فيحق لفلسطين كلها ان تفرح بميلاد سيدها وسيد العالم كله الذي ولد فيها ولكن لا يجوز أيضا اهمال البعد الكنسي والايماني .
لا تحولوا عيد الميلاد الى مهرجانات صاخبة والى أشجار مضاءة والى هدايا توزع في كل مكان بل تذكروا ان الهدية العظمى التي نزلت من السماء الى الأرض انما هي ميلاد السيد ، ولا نريد للمهرجانات والاحتفالات ان يكون السيد المسيح غائبا عنها فيتحول عيد الميلاد الى عيد الشجرة والى عيد بابانويل والى عيد الانوار والاضواء والتي كلها مظاهر احتفالية لمن نحتفي بمولده .
لا تغيبوا صاحب العيد عن عيده ولا تجعلوه عيدا دنيويا احتفاليا ، انه عيد تجسد المحبة وما احوجنا اليوم الى المحبة انه عيد تجسد الإنسانية وما احوجنا اليوم للإنسانية ، انه عيد تجسد الرحمة وما احوجنا اليوم الى الرحمة امام هذا الكم من المآسي التي نعيشها ونراها امامنا حيث تسفك دماء الأبرياء في حين ان المسيحي لا يمكن ان يكون متجاهلا لمعاناة أي انسان فكم بالحري عندما يكون انسان هذه الديار.
لا تخلطوا الأوراق ، ولاتجعلوا من المناسبات الدينية مناسبات اقصاء وعنصرية وكراهية فعيدنا عيد المحبة والرحمة فعندما تغيب المحبة والرحمة فعن أي عيد ميلاد نتحدث .
اخاطب المسيحيين بنوع خاص في هذه الديار فأقول لكم عودوا الى جذوركم والى اصالتكم الايمانية ولا تتمسكوا بالقشور كما هو حال الكتبة والفريسيين الذي يحدثنا عنهم الكتاب المقدس كونوا مسيحيين قلبا وقالبا ، وليس فقط أصحاب شعارات لا نسمعها الا في الأعياد والمناسبات ، فأنت لست مسيحيا في عيد الميلاد وعيد القيامة فقط بل انت مسيحي في كل أيام السنة وعليك ان تطبق المسيحية في حياتك حينئذ تكون رصينا وحكيما وانسانا وخلوقا لا يصدر منك الا الكلام اللائق .
تذكروا بأن ما يدنس الانسان هو ليس ما يدخل الى فمه بل ما يخرج من فمه ، فليكن كلامكم يليق والقيم المسيحية والمبادئ الإنسانية السامية .
أتمنى لكم مواسم مباركة واعيادا مجيدة ونعم عيدنا هو عيد كنسي ايماني بامتياز ولكنه في فلسطين هو أيضا عيد وطني يحتفي به أبناء هذه الديار بمن ولد في هذه البقعة المباركة من العالم لكي ينشر قيم السلام والمحبة في كل مكان .

المطران عطا الله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس 

7/11/2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com