جامعة النجاح رؤية استراتيجية لبناء بيئة تعليمية دامجة وعادلة.. بقلم/ المحامي علي أبو حبلة

في عالم يتسارع فيه التحول نحو تعزيز حقوق الإنسان وتمكين الفئات المهمشة، تبرز جامعة النجاح الوطنية كنموذج فلسطيني رائد في دمج الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة داخل البيئة الأكاديمية والمجتمعية. هذا الالتزام ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هو نهج إستراتيجي متكامل يستند إلى رؤية إنسانية، وقانونية، وأكاديمية، تُعلي شأن الكرامة الإنسانية وحق الجميع في التعليم.
أولًا: التعليم كحق… والجامعة كمساحة مساواة
ترتكز فلسفة الجامعة في تمكين الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة على قناعة بأن التعليم ليس تفضّلًا ولا منحة، بل حق أصيل تكفله القوانين الدولية ومبادئ العدالة الاجتماعية. ومن هنا، تسعى الجامعة إلى جعل الحرم الجامعي مساحة عادلة ومفتوحة للجميع، بعيدًا عن أي أشكال التمييز أو المعوقات.
إن حرص الجامعة على إشراك هذه الفئة في كافة مناحي الحياة الجامعية يعكس فهمًا عميقًا بأن الدمج ليس فقط تسهيلًا ماديًا أو دعمًا أكاديميًا، بل هو بناء ثقافة شاملة تحترم التنوع وتحتضن الاختلاف.
ثانيًا: لقاء قيادي يؤسس لمرحلة جديدة من الدمج
جاء اللقاء الذي عقده دولة الأستاذ الدكتور رامي الحمد الله، رئيس مجلس أمناء مستشفى النجاح الوطني الجامعي ونائب رئيس مجلس أمناء الجامعة، إلى جانب سعادة الأستاذ الدكتور عبد الناصر زيد رئيس الجامعة، مع مجموعة من الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة، ليؤكد هذا الالتزام ويعكس جديته.
في هذا اللقاء الاستراتيجي، استمع دولته إلى تجارب الطلبة واحتياجاتهم وتحدياتهم اليومية، سواء تلك المتعلقة بالمرافق الجامعية، أو آليات التكييف الأكاديمي، أو الخدمات اللوجستية والإنسانية التي يحتاجون لها. كما طرح الطلبة مقترحات عملية تهدف إلى تحسين مستوى الدمج وتعزيز جودة حياتهم التعليمية داخل الحرم.
وقد وجّه دولة الدكتور الحمد الله بضرورة تنفيذ كل ما يلزم من إجراءات للتأكد من أن البيئة الجامعية تراعي احتياجاتهم وتدعم تطلعاتهم، بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.
ثالثًا: منظومة دعم متكاملة… ليست مجرد مبادرات
يُلاحظ أن نجاح الجامعة في دعم الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة لا يُختزل في لقاءات قيادية أو مبادرات موسمية، بل يقوم على منظومة دعم متوازية تشمل:
- البنية التحتية الملائمة
تطوير مرافق الجامعة لتسهيل الحركة والوصول، من ممرات منحدرة، ومصاعد، ومداخل مؤهلة، وقاعات مجهزة.
- التكييف الأكاديمي
تقديم الامتحانات بطرق ملائمة، توفير مواد دراسية بتنسيقات سهلة الاستخدام، تقديم مساعدات تعليمية فردية، وإتاحة وقت إضافي في الامتحانات عند الحاجة.
- الدعم النفسي والاجتماعي
من خلال وحدات متخصصة تُعنى بتقديم الإرشاد والتوجيه، ومتابعة الحالات لضمان اندماجها الكامل.
- تدريب الهيئات التدريسية
رفع الوعي حول آليات التعامل الأكاديمي والإنساني مع الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة بما يضمن احترام خصوصيتهم وحفظ كرامتهم.
- وحدة الطلبة والعاملين ذوي الإعاقة
وتقودها الأستاذة دينا الكردي، وتعمل على متابعة قضايا هذه الفئة، وتطوير سياسات الجامعة ذات الصلة، وتنسيق الخدمات بشكل مستمر.
ويأتي حضور كل من الأستاذ رائد الدبعي، مساعد الرئيس للشؤون المجتمعية، والأستاذ محمد الدقة، عميد شؤون الطلبة، في اللقاء الأخير ليؤكد أن هذا الملف مصنف ضمن أولويات القيادة الجامعية.
رابعًا: نحو فلسفة دمج تتجاوز “الخدمة” إلى “التمكين”
تولي الجامعة أهمية كبيرة لانتقال خطاب التعامل مع الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة من مرحلة تقديم الخدمات إلى مرحلة التمكين. فالتمكين يعني:
تعزيز استقلالية الطالب،
توفير بيئة تعزّز الثقة بالذات،
إشراك الطالب في اتخاذ القرارات،
وإتاحة الفرص المتساوية في النشاطات التعليمة والبحثية والطلابية.
وبهذا الفهم، يصبح الطالب شريكًا فاعلًا في العملية التعليمية، لا متلقيًا سلبيًا للمساعدة.
خامسًا: قيمة وطنية وأخلاقية
إن تمكين الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة يحمل بعدًا وطنيًا، خصوصًا في مجتمع يعاني من الاحتلال وتبعاته التي تنتج إعاقات جسدية ونفسية واجتماعية. ولذلك، فإن تبني هذه الفئة ودعمها هو فعل مقاومة إنسانية يُعيد إنتاج الأمل ويعزز الصمود.
كما أن الجامعة، باعتبارها مؤسسة وطنية رائدة، تدرك أن الاستثمار في هذه الفئة هو استثمار في مستقبل فلسطين، وفي طاقات بشرية تحتاج فقط إلى بيئة عادلة لتثبت قدرتها وإبداعها.
خاتمة: جامعة النجاح… بيتٌ يتسع للجميع
تثبت جامعة النجاح الوطنية مرة تلو الأخرى أنها ليست مجرد مؤسسة تعليم عالٍ، بل مشروع وطني وأخلاقي وإنساني متكامل. مشروع يقوم على احترام الإنسان، وتمكينه، وفتح الأبواب أمامه، أيًا كانت خلفيته أو احتياجاته.
ومع توجيهات القيادة الجامعية، وتفاعل الطلبة، وعمل الوحدات المختصة، تواصل الجامعة بناء نموذج فلسطيني رائد في الدمج، يؤكد أن التعليم الكريم حق للجميع، وأن المستقبل لا يبنيه إلا مجتمع يفتح ذراعيه لأبنائه كافة.


