النجومية عبر تل أبيب.. ممر انتحاري.. د. صبري صيدم

اعتدنا بالأمس القريب أن نرى المستعجلين على العودة إلى عالم السياسة، يتقاطرون إلى تل أبيب بحثاً عن رضى عاصمة الاحتلال واللوبي الصهيوني، علّهم يحظون بالموافقة والحبور المنشودين. المفارقة أن نرى البعض مصراً على فعل ذلك، بعدما أبرزت الانتخابات، أو استطلاعات الرأي في بلاده كماً واضحا لحالة الحنق الكبيرة على إسرائيل، خاصة بعدما ارتكبته من فظائع ونكبات خلال العامين الماضيين.
مستشارة ألمانيا السابقة أنغيلا ميركل، وعمدة نيويورك السابق إيريك آدمز اختارا أن يزورا دولة الاحتلال هذا الأسبوع، ويكيلان المديح للاحتلال ليؤكدا المؤكد، بأنهما لم يكونا يوماً إلا خدماً للاحتلال، كما قال آدمز في تصريحه الصحافي بجانب حائط البراق. هكذا عودة لم تأت من باب المداهنة فحسب، وإنما جاءت لاستحضار الزمن الغابر، الذي جعل كليهما في موقع الصدارة ذات يوم، إلى أن انطفأت أضواء النجومية وتوقفت الامتيازات وعادا إلى صفوف المواطنين.
لكن الواضح أن ميركل وآدمز الساعيين إلى العودة إلى الحضور السياسي الغابر، لم يستمعا جيداً إلى صوت الحقيقة المتنامي في بلادهما، والرافض لحرب الإبادة التي تشنها إسرائيل فحسب، بل قررا عن سبق إصرار وترصد أن ينكرا وجود الشعب الفلسطيني فتجنّبا الإشارة وبشكل واضح لحال الفلسطينيين، وإن كانت ميركل قد حاولت فعل ذلك على استحياء وتردد واضحين
وفي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات الشعوب الحرة في العالم بأسره، مطالبةً بمحاسبة الاحتلال على جرائمه المتواصلة، يصرّ الحالمون بالعودة إلى مسرح السياسة من بوابة تل أبيب على تجاهل هذا التحول العميق في الوعي العالمي. يظهر هؤلاء وكأنهم يعيشون في زمن آخر، زمنٍ كانت فيه كلمة اللوبي الصهيوني كافية لصنع مستقبل سياسي، أو تحطيم آخر، غير مدركين أن قواعد اللعبة قد تغيّرت، وأن المراهن على الاحتلال بات خاسراً أخلاقياً وشعبياً.
إن المفارقة الأكبر تكمن في أن هذه الزيارات لا تحمل فقط رغبة في استعادة الأضواء الشخصية، بل تمثل محاولة يائسة لإعادة إنتاج سردياتٍ تجاوزها العالم، سردياتٍ أكل عليها الدهر وشرب ولم تعد صالحة للاستهلاك السياسي، أو الإعلامي، خاصة في ظل تدفق المعلومات والصور البشعة والموثقة المنبعثة من فلسطين. فالمرحلة الراهنة تتطلب شجاعة في الاعتراف بالحقائق، لا الهروب منها، وتتطلب قراءة جديدة للمشهد المبني على قوة الشعوب والضغط الأخلاقي لا جبروت السلاح. إن الإصرار على استرضاء الاحتلال اليوم، لا يعكس إلا عجزاً عن فهم التحولات وغياباً للرؤية المستقبلية، ويثير تساؤلات جدية حول مدى استيعاب هؤلاء السياسيين لتداعيات تصرفاتهم على قيم العدالة الدولية التي يفترض أنهم يمثلونها.
لقد غادر الكثيرون مظلة الاحتلال بعد أن أنّبت مشاهد الموت في فلسطين ضمائرهم، فرأينا إعلاميين لامعين، ونجوماً من هوليوود، وسياسيين مخضرمين جميعهم ينضم للركب ذاته، دونما تردد أو وجل كان آخرهم تيد كارلسون المذيع السابق على شبكة “فوكس نيوز”، الذي شنّ مؤخراً هجوماً نارياً على دولة الاحتلال عبر البودكاست الخاص به، ولا أنسى طبعاً الإعلامي البريطاني النشيط بيرس مورغان.
هذا الهروب إلى الماضي القائم على مبدأ المكاسب الآنية، بدلاً من مواجهة حاضر تتغير ملامحه كل يوم، يؤكد لأصحاب هذه المواقف أنهم ما زالوا يراهنون على قوى انتهى مفعولها، ويجعل مصداقيتهم في نظر ناخبيهم السابقين موضع شك عميق. فهل نرى ميركل مرشحة لموقع الأمين العام للأمم المتحدة، بعد كل ما زودت إسرائيل به من سلاح خلال حكمها؟ ونرى آدمز مرشحاً لرئاسة أمريكا، رغم كل ما ارتبط باسمه من تهم وشكوك لا حصر لها؟ ننتظر ونرى.



