التكامل الاقتصادي مع الأردن… مدخل لتعزيز السيادة الفلسطينية دون تعارض مع اتفاق باريس.. بقلم/ المحامي علي أبو حبلة 

في ظل التحولات السياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة، يعود الحديث بقوة عن ضرورة إعادة تموضع الاقتصاد الفلسطيني خارج دائرة الارتهان لمنظومة الاحتلال، وعن أهمية بناء شراكات عربية حقيقية تعزز قدرة الفلسطينيين على الصمود والاستقلال. وفي هذا الإطار، يتقدم الأردن بوصفه الشريك الطبيعي والأكثر قابلية للدخول في مشروع تكامل اقتصادي استراتيجي، يرتكز على توسيع أنظمة التبادل التجاري والمالي، وربط شبكات الطاقة، وتعزيز التداول بالدينار الأردني داخل السوق الفلسطينية.

هذه الرؤية لا تستهدف القطيعة مع النظام القائم، بقدر ما تهدف إلى تخفيف حجم التبعية وفتح المجال أمام خيارات اقتصادية وسيادية أوسع، مع عدم الإخلال باتفاق باريس الاقتصادي الذي لا يمنع—بحسب القراءة القانونية الدقيقة—تعدد العملات أو بناء شراكات اقتصادية مع أطراف عربية ودولية.

دينار أردني إلى جانب الشيكل… خطوة ممكنة وضرورية

السوق الفلسطينية تتعامل فعليًا بعدة عملات، من بينها الدينار الأردني والدولار. وبالتالي، فإن تعزيز حضور الدينار في قطاعات محددة مثل الطاقة، البنية التحتية، التعليم والصحة، يمثل خطوة واقعية، قابلة للتنفيذ، ويمنح الاقتصاد الفلسطيني قدرًا أعلى من الاستقرار المالي، خصوصًا في ظل تقلبات الشيكل وتأثيرات المقاصة الإسرائيلية على الدورة الاقتصادية.

اعتماد الدينار لا يعني التخلي الفوري عن الشيكل، بل يندرج ضمن سياسة انتقال تدريجية تعزز الاحتياطي النقدي، وتفعّل الشراكات المصرفية مع البنوك الأردنية، وتتيح بناء منظومة دفع أكثر أمانًا واستقرارًا.

الطاقة عبر الأردن… بوابة الفكاك من الهيمنة الإسرائيلية

تُعدّ الطاقة واحدة من أبرز عناصر التحكم التي يمارسها الاحتلال. ومن هنا، يصبح الربط الكهربائي مع الأردن واستيراد النفط والغاز عبره رافعة استراتيجية لا تقلّ أهمية عن التحول النقدي.

فالمشروعات الجارية بين الجانبين تؤسس لخطوات عملية يمكن أن تضع حدًا لاحتكار شركة الكهرباء الإسرائيلية، وتفتح بابًا لإقامة شبكة فلسطينية مستقلة، مدعومة بتمويل عربي وأوروبي، وبخبرات فنية متقدمة.

تكامل لا يصطدم بالالتزامات الدولية

يمتاز هذا التوجه بأنه لا يصطدم بالاتفاقيات القائمة، إذ يسمح بروتوكول باريس بالتعامل بعملات متعددة، ولا يقيّد السلطة الفلسطينية بإطار يمنعها من بناء شراكات مع الأردن أو غيره، طالما أن الإجراءات الجمركية والمالية تتم ضمن الأطر المنظمة.

كما أن التعاون الفلسطيني–الأردني في مجالات الطاقة والمال والتجارة يدخل طبيعيًا ضمن علاقات اقتصادية مشروعة بين كيانين متجاورين تجمعهما مصالح متشابكة وبنية تحتية متقاربة.

غطاء عربي وأوروبي… شرط النجاح

لكي يتحول هذا المشروع من مجرد رؤية إلى واقع ملموس، لا بد من غطاء مالي وسياسي عربي وأوروبي يضمن الاستقرار، ويموّل مشاريع الربط الكهربائي، ويؤمّن احتياطيات العملة، ويوفّر شبكة حماية أمام أي ضغوط إسرائيلية مستقبلية.

فالدعم العربي والأوروبي لا يقتصر على التمويل فقط، بل يمتد إلى توفير ضمانات دولية تسمح للاقتصاد الفلسطيني بالتحرك خارج دائرة السيطرة الضيقة التي فُرضت عليه منذ ربع قرن.

وحقيقة القول إن التكامل الاقتصادي مع الأردن ليس مجرد خيار مرحلي، بل استراتيجية تحمي الاقتصاد الفلسطيني وتفتح أمامه مسارات جديدة للتحرر من القيود، دون الاصطدام بالاتفاقيات القائمة أو الدخول في مواجهات سياسية غير محسوبة.

هو رؤية تستند إلى الواقع، وتستثمر في العمق الجغرافي والبشري والاقتصادي للعلاقة مع الأردن، وتمنح الفلسطينيين فرصة لبناء اقتصاد أكثر توازنًا وسيادة، قادر على مواجهة أزمات المرحلة وتحديات المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com