السعودية لواشنطن وتل أبيب: لا تطبيع من دون دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران.. د. عبد الرحيم جاموس

أكدت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن مؤخرا أن الرياض لا تنظر إلى التطبيع بوصفه صفقة تقنية أو خطوة منفردة، بل جزءًا من معادلة سياسية متكاملة لا تستقيم دون حل عادل للقضية الفلسطينية. وعلى الرغم من أن ملفات الدفاع والتعاون النووي والاستثمارات الضخمة شكلت محور المباحثات الرسمية، فإن القضية الفلسطينية حضرت بوضوح في قلب الرسائل السعودية الموجهة للإدارة الأميركية وإسرائيل معًا: لا مسار إقليمي، ولا اتفاقيات إبراهيمية، دون قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية.
ترسيخ لموقف ثابت …
مصادر عربية ودولية متطابقة أفادت بأن الرياض شددت خلال الاجتماعات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكبار المسؤولين على أن أي شراكة استراتيجية موسعة لا يمكن أن تتجاوز الملف الفلسطيني أو تؤجله. ووفق هذه المصادر، تبنى ولي العهد موقفًا واضحًا مفاده أن “التكامل الإقليمي الحقيقي” — الذي تسعى واشنطن لإعادة هندسته — غير قابل للتحقق دون مسار سياسي جدي يعالج جذور الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ويعيد للفلسطينيين حقوقهم الوطنية المشروعة.
هذا الموقف يأتي امتدادًا لسياسة سعودية متواصلة خلال العامين الماضيين، تؤكد أن التطبيع ليس هدفًا بحد ذاته، وأن المملكة لن تنخرط في أي ترتيبات إقليمية تُبقي الشعب الفلسطيني خارج دائرة الحل.
رسائل حاسمة لإسرائيل …
حرصت الرياض على أن تصل رسالتها إلى تل أبيب بلا التباس: رهان تجاوز الفلسطينيين لم يعد ممكنًا، ومحاولات الحصول على مكاسب سياسية أو اقتصادية من دون ثمن سياسي حقيقي انتهت. فالسعودية، وهي صاحبة الوزن الإقليمي الأكبر، تربط أي خطوة تطبيعية بمسار يقود إلى دولة كاملة السيادة على حدود 1967، مع ضمان القدس الشرقية عاصمة لها.
وتشير الأوساط الدبلوماسية إلى أن الموقف السعودي الصلب جاء ردًا على التعنت الإسرائيلي وتصاعد السياسات اليمينية المتطرفة، سواء في الضفة الغربية عبر التوسع الاستيطاني، أو في غزة عبر استمرار الحرب ومساعي التهجير الصامت. لذلك، ترى الرياض أن التقدم في أي ملف آخر دون معالجة هذه الجذور لن يجلب السلام ولا الاستقرار.
دعم فلسطيني متجدد …
في المقابل، يشكل هذا الموقف السعودي رافعة سياسية للقيادة الفلسطينية، خاصة في ظل الضغوط الدولية ومحاولات فرض تسويات ناقصة، فربط السعودية بين التطبيع والمسار السياسي يحول دون أي قفز على الحقوق الفلسطينية، ويمنح القيادة في رام الله عمقًا عربيًا يعزز موقعها التفاوضي ويدعم صمودها في مواجهة الضغوط.
كما أن الرياض، من خلال هذه الزيارة، أعادت التأكيد على مركزية فلسطين في سياساتها الإقليمية، وربطت بوضوح بين الاستقرار الإقليمي وحل الصراع على قاعدة دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
لم تكن زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن زيارة بروتوكولية، بل محطة سياسية بالغة الدلالة أعادت ضبط إيقاع الحوار الأميركي-العربي.
فقد أكدت السعودية — وبصوت عال — أن الطريق إلى شرق أوسط مستقر يبدأ من فلسطين، وأن أي مشروع سلام أو شراكة أو تطبيع لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران.
بهذا الموقف، تعيد المملكة رسم قواعد العلاقة بين الأمن الإقليمي والعدالة السياسية، وترسل رسالتها الحاسمة: لا تطبيع… ولا هندسة جديدة للمنطقة… قبل الاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض 20/11/2025



