محمد بن سلمان في البيت الأبيض: دبلوماسية المبادرة لا المطالبة

بقلم: د. سعيد محمد ابو رحمه
في الوقت الذي تتوجه فيه معظم الوفود إلى البيت الأبيض محمّلة بمطالب تخص دولها، برز ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان كنموذج مختلف تمامًا، زعيم عربي حمل ملفات متعددة تتجاوز المصالح الضيقة لبلاده، ليطرح قضايا إقليمية ودولية تمس أمن المنطقة واستقرارها، ما يعكس تحوّلًا نوعيًا في النهج الدبلوماسي السعودي.
ففي لقاءاته الأخيرة، بدا لافتًا أنه لم يذهب ليطلب لبلاده فحسب، بل تحدث باسم الإقليم. فقد نقل رسائل إيرانية إلى الإدارة الأمريكية، مطالبًا بفتح قنوات تواصل جديدة. كما دعا بوضوح إلى دعم حل الدولتين وإنهاء الحرب في السودان، وأعاد تأكيد دعم السعودية لإعادة تأهيل سوريا في محيطها العربي والدولي.
هذه التحركات لا تعبّر فقط عن اتساع النفوذ السياسي للرياض، بل تؤكد أن السياسة الخارجية السعودية تتجه نحو دبلوماسية المبادرة والمسؤولية الإقليمية، لا مجرد التفاعل أو الاستجابة للأزمات. إنها سياسة تُبنى على وضوح الموقف، وثبات المبادئ، وتعدد القنوات.
ثبات المبادئ السعودية بدا جليًا في قضية التطبيع مع إسرائيل، حيث تصرّ الرياض على ضرورة قيام دولة فلسطينية كشرط أساسي. بهذا الموقف، تنأى المملكة بنفسها عن منطق التنازلات المجانية، وتؤكد أن الانفتاح السياسي يجب أن يُبنى على عدالة القضايا لا على توازنات القوة فقط.
واللافت في المشهد أن السعودية لا تمارس هذا الدور خلف الكواليس، بل تسلك مسارًا علنيًا، وتطرح مواقفها أمام العالم، مما يمنحها مصداقية متزايدة. فالدول القوية لا تحتاج إلى الغموض، بل إلى الوضوح المدروس.
إن هذا التحول في الأداء الدبلوماسي يعكس رؤية أوسع تسعى لخلق توازن جديد في الشرق الأوسط، حيث تلعب السعودية دور الوسيط بين الخصوم، والداعم للاستقرار، والمحافظ على ثوابت القضايا العربية، خاصة القضية الفلسطينية، دون أن تتخلى عن نهج التحديث والانفتاح الذي تنتهجه داخليًا وخارجيًا.
في الختام فإن زيارة محمد بن سلمان الأخيرة إلى واشنطن ليست مجرد زيارة سياسية، بل محطة تؤكد أن السعودية باتت لاعبًا مركزيًا في صياغة المشهد الإقليمي، لا على أساس المال أو التحالفات فقط، بل من خلال دبلوماسية شجاعة وواضحة تحمل همّ الإقليم وتضع أولوياته على طاولة القوى الكبرى.



