قهوة بطعم الكاوتشوك.. د.أحمد لطفي شاهين 

تُعتبر القهوة في العقود الأخيرة من أشهر وأرقى المشروبات وقد وصل التنافس في نكهات القهوة إلى مستوى عالي غير مسبوق وقامت شركات القهوة في العالم بتصميم ماكينات منزلية لصناعة القهوة بطرق متعددة كلها سهلة والهدف ان يصل فنجان القهوة إلى المُستهلك بأسهل و أسرع طريقة لأن الهدف من شرب القهوة أصلا هو تعديل المزاج
لكن في قطاع غزة وبعد الحرب الملعونة التي بدأت في نهاية 2023 .. بدأت حرب موازية مع المزاج حيث اختفت القهوة من الأسواق خلال الشهر الأول من الحرب وارتفع سعرها بشكل لا يستوعبه العقل ووصل سعر ال250 جرام الى حوالي 300 دولار وقام الكثير من الناس بالتوقف عن شرب القهوة أصلا فلا مزاج للقهوة ولا معنى للنكهات في ظل رائحة الدم والبارود ولا طعم للقهوة إلا برفقة من نحب .. واذا استشهد من نحبهم ف.كيف سنتذوق الطعم؟ مرار فوق مرار ؟ إذن لا داعي للقهوة فهناك اولويات اكثر أهمية بكثير .. هناك ازمة في كل شيء بداية من الكهرباء والماء والمحروقات مرورا بالدقيق والأرز والسكر والزبت .. انتهاء بالخضار والفواكه والبقوليات .. حتى العدس الذي كان مخصص للطيور اصبح سعر الكيلو بحدود 30 دولار في ظل ازمة الدخل والبطالة وازمة السيولة.. حتى العدس ( لحمة الفقراء ) عجز الناس عن شراؤه واضطروا الى اكل (خشاش الأرض) من نباتات برية تنمو مع الامطار على الارصفة وفي الحقول وفي المناطق التي قصفها الاحتلال حيث أنبت الله جل جلاله نبات ( الخبيزة ) وهو نبات بري مفيد جدا للدم والجسم واستطاع الكثير من الناس ان يعتمدوا عليه كوجبة واحدة في اليوم مع قطع من الدقيق على شكل كرات صغيرة داخله وهذه كانت من مظاهر معية الله للناس المجوعين في غزة ورحمة من الله بالناس الذين حاصرهم الاحتلال بهدف تهجيرهم وافراغ الأرض من سكانها أو قتلهم بالقصف تحت ركام بيوتهم حيث يصبح البيت مقبرة جماعية لكل ساكنيه وضيوفهم ولقد وصل عدد الشهداء في احد الأبراج من عدة طوابق اكثر من 500 شهيد ولم ينجو من الموت الا بعض سكان الطابق العلوي لأنهم طاروا في الهواء وسقطوا على الأرض باصابات بليغة وكسور خطيرة .. واصبح البرج مقبرة جماعية لكل ساكنيه (وانا هنا أتحدث عن مجزرة برج المهندسين في النصيرات) وهي مجزرة لم يركز عليها الإعلام كثيرا بسبب كثرة المجازر وقتها وكثرة الأحداث وتشتت الجهود الإعلامية واستهداف الصحفيين بالقصف لمنعهم من كشف الوجه القبيح للمحتل الصهيوني الكذّاب النازي المجرم .
نعود الى موضوع القهوة..
لقد استمرت الحرب شهر يتبعه شهر وراءه شهر .. ومضت سنة ثم سنة واستمر انقطاع القهوة مثلها مثل معظم البضائع واضطر الناس إلى اكل اعلاف الحيوانات ( التي ترفض الحيوانات اكلها ) نعم (ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا..)
لقد انخفضت أوزان الجميع على الأقل 20 كجم في ريجيم جماعي لمن يبحثون عن افضل طرق الريجيم .. (فقط تقليل كمية الطعام  والسكريات)
وبعد اعلان الهدنة بدأت البضائع بالدخول عن طريق التجار فقط وبأسعار خيالية ولا تزال المجاعة مستمرة لولا رحمة الله بالناس من خلال التكافل الاجتماعي ووجود بعض التكايا وكرم اهل الخير من الفلسطينيين داخل وخارج فلسطين وبعض المؤسسات الدولية والعربية التي توزع القليل من الطعام على النازحين في الخيام والذين فقدوا كل املاكهم وفقدوا كل شيء وربما فقدوا كرامتهم كما قال غسان كنفاني ذات رواية( إن المرء يفقد رجولته وكرامته ببطء تحت ضغط الحاجة والطلب..) وأما القهوة فقد عادت الى الاسواق وعاد الناس بشوق الى احتساء القهوة برفقة من تبقى من الأهل والأحباب وحتى تستطيع أن تصنع فنجان القهوة صباحا فإنك يجب أن تشعل نار وهذا يتطلب أن تخرج الى البلكونة او سطح البيت إذا كان لا يزال هناك بيت أصلا .. او تخرج الى خارج الخيمة .. وفي الحالتين تجد الحطب مبلل او فيه رطوبة ونظرا لأن هنا في غزة ازمة خانقة في الحطب فإن الناس يبحثون عن أي شيء ممكن يشتعل مثل ملابس قديمة او حذاء مهتريء او علبة بلاستيكية مستعملة او قطعة كاوتشوك كانت جزء من سيارة ذات يوم قبل ان تباغتها صواريخ الاحتلال لتقتل كل من فيها بلا رحمه وكأنها قبر متنقل . . ثم تشعل النار ببعض الخشب مع بعض البلاستيك او الكاوتشوك حتى تشتعل النار جيدا وتنضج القهوة وتشربها وتتمتع بفنجان قهوة بعد عناء لا يقل عن نصف ساعة وبدلا من طعم الهيل او الاسبرسو او Dark أو أي نكهة قهوة مشهورة .. يجب أن تتجرع القهوة بطعم الكاوتشوك  .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com