أفيخاي أدرعي: مقاربة تحليلية من منظور علم الإدارة.. بقلم/ حلمي أبو طه

في الساحة الإعلامية العربية، لم يترك كثير من الشخصيات أثراً كما فعل أفيخاي أدرعي، المتحدث باللغة العربية للجيش الإسرائيلي. ففي السنوات العشرين الماضية، كان أدرعي، أحد أبرز الأسماء التي شغلت الرأي العام العربي، ليس بسبب شجاعته أو بطولته، بل بسبب قدرته على إدارة المعلومات، والتلاعب بالرسائل، ونشر الروايات التي تخدم أهداف المؤسسة العسكرية التي يمثلها. الإعلان عن رحيله من منصبه، بعد عقدين من السيطرة الإعلامية، يفتح نافذة لفهم آليات الإعلام العسكري الإسرائيلي. حيث أن الحدث فرصة لتحليل ديناميكيات الاتصال العسكري من منظور علم الإدارة، وبخاصة ما يتعلق بـ إدارة الأزمات، الاتصال الاستراتيجي، الهيكل التنظيمي، جودة المعلومات، الحوكمة الإعلامية، القيادة الموقفية. إضافة إلى استراتيجيات التظليل، ونقاط القوة المهنية التي استغلت لتحقيق التأثير الإعلامي. فمنذ توليه منصب المتحدث العربي، أصبح أدرعي واجهة إعلامية استراتيجية للجيش الإسرائيلي تجاه الجمهور العربي.

إن استخدامه المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي، التغريدات الفورية، والبيانات الرسمية، كانت وسائل لنشر المعلومات الموجهة، التي تقع ضمن ما يسمى في الإدارة الحديثة: بـ “إدارة الرأي العام وصناعة القبول”، لكن ما يعيبها أنها ارتبطت بـ التضليل المتعمد أو تحوير الحقائق لصالح أهداف عسكرية وسياسية. فعلى سبيل المثال، خلال النزاعات العسكرية في غزة ولبنان، بدا أدرعي متمرساً في استراتيجية التظليل، غالباً ما أظهر رواية الجيش الإسرائيلي بشكل مباشر، وأقصي وأهمل الروايات المقابلة، عبر أدوات تأثير نفسي تستند إلى استثمار المشاعر الدينية والثقافية لجذب الانتباه، وخلق حالة من الضغط النفسي على الرأي العام والجمهور المحلي.

كل ما تقدم لا يعني تجاهل أن دوره كان مهنياً من منظور المؤسسة التي يخدمها؛ فقد نفذ أهداف الجيش بشكل دقيق، ووصلت رسائله إلى الجمهور المستهدف بكفاءة، ما يوضح قدرة المؤسسة على توظيف أفرادها في أدوار حساسة تقتضي التخطيط الاستراتيجي. فمنصب المتحدث بالغة العربية ليس مجرد وظيفة إعلامية، بل هو موقع استراتيجي ضمن الهيكل العسكري. لذا لا يمكن فهم شخصية أدرعي دون وضعها داخل الهيكل التنظيمي للمؤسسة العسكرية، حيث يقع منصبه ضمن منظومة اتصال تتبع مباشرة للقيادة العليا، ما يمنحه مستوى مرتفعاً من تفويض الصلاحيات، ودرجة معتبرة من الاستقلالية التشغيلية التي مكنته من: القدرة على الوصول بسهولة إلى الموارد، والمعلومات، والقرار التنفيذي في نشر الرسائل.

وعليه فرحيله يثير أسئلة حول إعادة توزيع هذه القوة الإعلامية: هل ستبقى القدرة على التلاعب بالرأي العام بنفس الفعالية؟ هل سيستمر أسلوب نشر الرسائل الموجهة، أم أن التغيير سيحد من هذا النفوذ؟ هذه الأسئلة تكشف عن أن الهيكل التنظيمي، حتى في مؤسسة عسكرية صارمة، يعتمد بشكل كبير على الأفراد المؤثرين ذوي الكفاءة الاستثنائية في مواقع حساسة، وهذا يعكس ما يسمى في الإدارة بـ نماذج الاعتماد على الخبرة الفردية، حيث يصبح الفرد صاحب المعرفة المتخصصة محوراً لإدارة وظيفة كاملة. ويُعد هذا مثالاً على القيادة الموقفية داخل المؤسسة العسكرية.

من المؤكد أن أدرعي تمتع بدرجة عالية من استقلالية اتخاذ القرار، حيث يتم منح العامل المؤثر مساحة تكتيكية تتناسب مع مهاراته، طالما بقيت ضمن الحدود الاستراتيجية العامة للمؤسسة العسكرية. وهو ما جعله مؤثراً إلى حد ما على الرأي العام. ويعكس قدرة عالية من الريادة والابتكار ضمن حدود مؤسسة صارمة. لذلك خروجه يطرح سؤالاً مهماً: من سيتولى الآن هذه الصلاحيات؟ هل ستصبح عملية اتخاذ القرار أكثر مركزية، بحيث تقل قدرة الوحدة على المناورة والتلاعب بالرأي العام، أم سيظل الهيكل يعوّل على خليفة يستطيع تنفيذ نفس الاستراتيجية؟

لكن هذه الريادة ليست ريادة أخلاقية؛ هي ريادة تكتيكية لإدارة المعلومات والتأثير على الرأي العام العربي. وهذا الدرس مهم لأي تحليل تنظيمي أو إعلامي: فالمؤسسات يمكن أن تخلق مبدعين مؤثرين لتحقيق أهدافها، حتى لو كانت هذه الأهداف تضليلية. وهنا يجدر القول إن جودة المعلومات التي أعتمد عليها ساعدت في نقل الرسائل بوضوح وسرعة إلى الجمهور المستهدف. لكنه في الوقت نفسه، استخدم هذه الجودة كأداة لتضليل الرأي العام. فالتغريدات والبيانات الرسمية غالباً ما كانت مصممة لإقناع أو خلق ضغط نفسي، وليس لنقل الحقائق كاملة. لذلك يمكن الجزم إن جودة المعلومات في هذا المركز، لا تعني الحقيقة أو الحيادية، بل فعالية الرسالة في تحقيق أهداف الجيش الإسرائيلي. وأي تقييم علمي لهذا الدور يجب أن يوازن بين مهنيته في توصيل الرسائل من جهة، ودوره في التضليل والتأثير النفسي من جهة أخرى.

كافة المعلومات ووسائل الإعلام تتحدث عن خروجه “بطلب شخصي” وهو ما يعكس بُعد الحوافز بشكل واضح. فالمسؤولية التي حملها لم تكن سهلة؛ فالحافز هنا لا يتعلق بالمال، أو المنصب، بل بالضغط النفسي، والمسئولية الكبيرة، وتحدي القدرة لتنفيذ استراتيجية مؤسساتية دقيقة تمس الامن القومي الإسرائيلي من جهة، ومرتبط بمسؤولية إدارة الرأي العام العربي وتحقيق نجاح وتميز في مردود النتائج. ومن زاوية أخرى تحليلية، خروج أدرعي يظهر تحدياً للمؤسسة العسكرية في إدارة المنظومة: كيف توازن بين الحفاظ على الاستمرارية وبين تجديد القوة البشرية؟ فهذا بُعد مهم لأي دراسة تنظيمية أو إعلامية، لأنه يُظهر العلاقة بين الفرد والمؤسسة في بيئات حساسة ومعقدة. فحالة أدرعي تكشف حقيقة قاسية قابلة للدراسة وللقياس: فقدان الشخص المناسب في الوقت المناسب قد يضع أي مؤسسة أمام تحدٍ استراتيجي كبير، سواء من ناحية التأثير أو إدارة الجمهور.

أفيخاي أدرعي ليس بطلاً، وليس نموذجاً يُحتذى به، لكنه حالة إعلامية أثارت الرأي العام العربي، ووضعت مثالاً واضحاً على كيفية استخدام الأفراد في خدمة أهداف مؤسساتهم العسكرية. دوره يجمع بين المهنية الإعلامية من منظور المؤسسة، وبين التلاعب والتضليل الممنهج تجاه الجمهور العربي. وخروجه من منصبه يتيح فرصة مهمة لمن يدرس علم الادارة لفهم الهيكل التنظيمي بشكل عام من حيث: حقوق اتخاذ القرار، وجودة المعلومات، والحوافز، ويظهر كيف يمكن للفرد أن يكون محوراً أساسياً في استراتيجية التأثير الإعلامي، سواء لأهداف مهنية أو لتوجيه الرأي العام بطريقة غير موضوعية. وفي نهاية المطاف، درس أدرعي يكشف الحقيقة البسيطة والعميقة: أن المؤسسات التي تعتمد على الأشخاص المؤثرين، والرسائل الإعلامية كأدوات للسيطرة والتوجيه، تصبح عرضة لحساسية عالية تجاه أي تغيير يطرأ على هذه الشخصيات، مما يجعل ذلك التغيير قضية مرتبطة بديناميكيات التأثير الفردي داخل المؤسسة. مما يستوجب وضع استراتيجيات انتقالية واضحة، توازن بين الحوافز والضغط النفسي، حتى تستطيع الحفاظ على حضورها وسيطرتها على الساحة الإعلامية، حتى بعد رحيل شخصية محورية ومؤثر مثل أفيخاي أدرعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com