بين مسؤولية الرئيس ومسؤولية الآخرين: أيُّ طريقٍ إلى الإصلاح؟.. بقلم / د.عبدالرحيم جاموس

أعاد الصديق د. إبراهيم أبراش فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد الفلسطيني: مسؤولية الرئيس أبو مازن عن أزمة النظام السياسي ، وهي قضية طالما جرى التعامل معها بخفّة، عبر اختزال كل الإخفاقات بشخص الرئيس وحده، وكأنّ الرجل يتحكّم وحده في شبكة معقدة من المؤسسات والفصائل والطبقات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تشكّل، مجتمعة، بنية النظام السياسي الفلسطيني.
هذه المقاربة السهلة ليست دقيقة، ولا منصفة، ولا مفيدة ، فالمشهد أكثر تعقيدًا، والأزمة أشمل من أن تُنسب لفرد واحد مهما كانت صلاحياته واسعة، لأنّ الأزمة في جوهرها أزمة بنية، وثقافة سياسية، وطبقة قيادية كاملة.
من المسؤول حقًا؟
الرئيس، بحكم موقعه، يتحمّل مسؤولية سياسية ورمزية كبرى؛ فهو رأس المنظمة والسلطة وفتح.
غير أن تحميله المسؤولية الكاملة يبرّئ الآخرين من أدوارهم، وهو ما لا يقبله المنطق ولا الواقع.
فحركة فتح، بما تبقى فيها من إرث وقيادات، تتحمّل مسؤولية تردّي البنية الداخلية وتشتت القرار وتراجع المبادرة.
والفصائل، وعلى رأسها حماس، تتحمّل مسؤولية مباشرة عن إنتاج سلطة موازية وتكريس الانقسام ورفض الاحتكام لشرعية واحدة.
أما اليسار، فقد فشل مرارًا في توحيد صفوفه رغم تطابق برامجه، فيما تتحرك الفصائل الصغيرة في هامش واسع من الشعارات دون أثر سياسي فعلي.
ولا يمكن إعفاء المثقفين والكتّاب والنخب الاقتصادية والإعلامية من المسؤولية أيضًا؛ إذ اختار كثيرون منهم الصمت أو المجاملة أو الاكتفاء بانتقاد الرئيس هربًا من مواجهة مسؤولياتهم، أو لإخفاء عجزهم عن تقديم بديل أو مشروع أو مبادرة.
ولذلك فإنّ السؤال الذي طرحه د. أبراش بجرأة يستحق التوقف عنده: هل يُعقل أن يعجز كل هذا الطيف السياسي عن التأثير على رجل واحد؟
إن كان الجواب نعم؛ فالمشكلة ليست في الرجل، بل في الطيف نفسه.
الطريق إلى الإصلاح: من أين يبدأ؟
لا إصلاح دون معالجة ثلاثة عناصر متلازمة: الشرعية، البنية، والقرار.
1. استعادة الشرعية
الشرعية ليست ترفًا سياسيًا، بل أساس وجود النظام.
وهي لا تُستعاد إلا عبر:
انتخابات عامة، أو توافق وطني على آلية انتقال السلطة، وتفعيل حقيقي لمؤسسات منظمة التحرير بصفتها المرجعية العليا.
2. إصلاح البنية السياسية
وتشمل: إنهاء التفرد، وتفعيل القيادة الجماعية، إعادة بناء الأجهزة الأمنية على عقيدة وطنية موحدة، فصل واضح بين السلطات، وتجريم الانقسام في أي دستور فلسطيني قادم.
3. توحيد المرجعية الوطنية لقطاع غزة , لا مستقبل للقضية الوطنية دون غزة ، ولا مستقبل لغزة دون وحدة النظام.
ما بعد حرب غزة يشكل فرصة تاريخية لإعادة ترتيب البيت الداخلي، شرط توفر الإرادة السياسية.
متى يبدأ الإصلاح؟
الإصلاح يبدأ في واحدة من ثلاث لحظات مفصلية:
1. لحظة ما بعد الحرب …
إعادة الإعمار، وترتيب الوضع الأمني، وإدارة القطاع ستفرض على الجميع قاعدة جديدة:
شراكة أو انهيار.
2. لحظة غياب الرئيس ” عاجلًا أم آجلًا”،سواءا كان قدريا أو بالإستقاله.
الفراغ السياسي القادم سيجبر الفصائل على إعادة إنتاج بنية سياسية جديدة، فإما أن تذهب باتجاه دولة المؤسسات، أو نحو فوضى المحاور.
3. لحظة الضغط الشعبي المنظّم …
لا نتحدث عن الفوضى، بل عن حراك واعٍ تقوده النقابات والجامعات والإعلام المستقل.
حراك يفرض إصلاحًا لا يطلبه.
خارطة طريق واقعية …
الإصلاح الحقيقي ممكن إذا توفرت الإرادة، ويمكن تلخيصه في النقاط التالية:
تشكيل حكومة انتقالية وطنية لمدة 18 شهرًا بصلاحيات كاملة.
إنهاء السلطة الموازية في غزة على قاعدة الشراكة.
إعادة بناء منظمة التحرير عبر مجلس وطني جديد يضم الجميع.
توحيد العقيدة الأمنية تحت قيادة سياسية واحدة.
وضع استراتيجية مقاومة وطنية مشتركة تجمع جميع أدوات القوة المشروعة.
اذا نهاية نقول:
إن الأزمة ليست أزمة الرئيس وحده، كما ليست أزمة فصيل دون آخر.
إنها أزمة منظومة سياسية كاملة فقدت القدرة على التجديد، وتحتاج إلى إعادة تشكيل شاملة، لا إلى كبش فداء جديد.
ولذلك فإنّ الطريق إلى الإصلاح يبدأ باعتراف شجاع:
لا إنقاذ للقضية الفلسطينية بلا نظام سياسي واحد، وشرعية واحدة، وقيادة جماعية قادرة على مواجهة الاحتلال لا التناحر فيما بينها.
هذه مسؤولية الجميع…
واللحظة التاريخية تفرض علينا جميعًا قول الحق والعمل به، قبل أن يسبقنا الزمن إلى سقوط آخر أعمدة البيت الوطني.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض 24/11/2025



