قراءة نقدية في المشهد الفلسطيني بين أزمة القيادة ومسؤولية المنظومة

بقلم: عادل جوده /العراق/ كركوك

يأتي مقال الدكتور عبد الرحيم جاموس بوصفه نصًا سياسيًا تحليليًا يتجاوز منطق الاتهام الفردي إلى تفكيك بنية الأزمة الفلسطينية بوصفها أزمة منظومة كاملة، لا عثرة رجل واحد. وهو في ذلك يلامس جوهر المعضلة الفلسطينية التي طالما جرى تبسيطها في خطاب شعبوي يحمّل الرئيس محمود عباس وحده مسؤولية الانسداد السياسي، متجاهلًا شبكة الفواعل المعقدة التي صنعت هذا الواقع وكرّسته.

ما يميز هذا الطرح أنه يعيد الاعتبار لمفهوم “المسؤولية الجماعية”، ويكسر ثنائية التقديس والشيطنة التي حكمت الخطاب السياسي الفلسطيني في السنوات الأخيرة. فالرئيس، كما يشير الكاتب، يتحمل مسؤولية رمزية وسياسية بحكم موقعه، لكن تحويله إلى شماعة لكل الإخفاقات ليس سوى هروب من مواجهة حقيقة أكثر إيلامًا: أن الخلل متجذر في الثقافة السياسية، وفي أداء الفصائل، وفي تكلس النخب، وفي غياب مشروع وطني جامع.

يضع المقال القارئ أمام سؤال جوهري: كيف يمكن أن يعجز طيف سياسي كامل عن التأثير في رجل واحد؟ هذا السؤال لا يدين الرئيس بقدر ما يدين البيئة السياسية التي سمحت بتركّز القرار، وأفرغت المؤسسات من مضمونها، وحوّلت العمل الجماعي إلى طقس شكلي فاقد للروح. وهنا تبدو الأزمة الفلسطينية أقرب إلى “انسداد بنيوي” ينتج ذاته باستمرار عبر إعادة تدوير الأشخاص والآليات نفسها.

ينجح النص في توزيع المسؤولية بعدالة نسبية، فيحمّل حركة فتح مسؤولية تآكلها الداخلي وتراجعها التنظيمي، ويحمّل حماس مسؤولية تكريس الانقسام وإدامة سلطة موازية، ولا يعفي اليسار من فشله التاريخي في التوحّد، كما يوجه نقدًا لاذعًا للنخب الثقافية والإعلامية التي آثرت السلامة أو المجاملة على حساب الدور النقدي التأسيسي.

القيمة الأبرز في المقال تتجلى في انتقاله من التشخيص إلى اقتراح مسارات عملية للإصلاح، حيث يحدد ثلاثة مفاتيح مركزية:
الشرعية، البنية، والقرار. وهذه ثلاثية دقيقة تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الدولة الحديثة، إذ لا يمكن لأي نظام أن يستعيد عافيته دون إعادة إنتاج شرعيته عبر صناديق الاقتراع أو التوافق الوطني، وإعادة هيكلة مؤسساته، وتوحيد مصادر قراره السياسي والأمني.

كما يلتقط الكاتب بذكاء اللحظات التاريخية المفصلية التي يمكن أن تشكل مدخلًا لإعادة البناء، سواء كانت مرحلة ما بعد الحرب في غزة، أو مرحلة ما بعد غياب الرئيس، أو لحظة الضغط الشعبي الواعي. وهي قراءة استشرافية تضع الإصلاح في سياقه الزمني الطبيعي، لا كأمنية خطابية بل كاستحقاق تاريخي تفرضه التحولات الكبرى.

أما خارطة الطريق التي يقترحها، من حكومة انتقالية وطنية، إلى إعادة بناء منظمة التحرير، إلى توحيد العقيدة الأمنية، فهي تمثل تصورًا واقعيًا يمكن البناء عليه سياسيًا، شريطة توافر الإرادة الجمعية التي ما تزال حتى اللحظة الحلقة الأضعف في المعادلة الفلسطينية.

من الناحية الأسلوبية
يتميز النص بلغة رصينة متوازنة تجمع بين النبرة النقدية والطرح العقلاني، دون انزلاق إلى التخوين أو التحريض. كما يحافظ على مسافة أخلاقية واضحة بين النقد والإدانة، ويؤكد أن الإصلاح فعل شراكة لا تصفية حسابات.

في الخلاصة
يقدم د. عبد الرحيم جاموس مقاربة ناضجة لمسألة الإصلاح الفلسطيني، تقوم على الاعتراف بأن الأزمة ليست شخصية بل هي أزمة منظومة فقدت قدرتها على التجديد والاستجابة للتحديات.
وهو بذلك يفتح نافذة ضرورية على سؤال المستقبل:
هل نملك الشجاعة الكافية للانتقال من جلد الأشخاص إلى إعادة بناء النظام؟
تحياتي واحترامي🌸

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com