ويلٌ لأمّةٍ تأكل مما لا تزرع.. رؤية استراتيجية شاملة للأزمة العربية.. بقلم/ المحامي علي أبو حبلة

لا تزال كلمات جبران خليل جبران ترنّ في أذهاننا: “ويلٌ لأمةٍ تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تصنع.” كلماتٌ تختصر مأساة عربية ممتدة، لم ننجح رغم الثروات الهائلة في تجاوزها، فأصبحنا نعيش في مفارقة تاريخية: دول غنية بمواردها وفقيرة في إنتاجها، أمم تمتلك عناصر القوة لكنها تفتقد الإرادة والاستراتيجية.

أولًا: الأزمة في جوهرها… غياب الرؤية والاستقلال

الأمن الغذائي العربي، ورغم كونه عنصرًا أساسيًا للأمن القومي، ما زال هشًا. تعتمد الدول العربية على الخارج في معظم احتياجاتها الغذائية والصناعية، ما يجعل قرارها الاقتصادي رهينة تقلبات الأسواق الدولية. يكفي أن ترتفع أسعار القمح في أمريكا، أو تتعطل صادرات الأرز من آسيا، أو يشهد العالم أزمة سلاسل إمداد حتى تهتز أسواق العرب وتزداد الأعباء على المواطن.

هذه التبعية ليست قدرًا، بل نتيجة سوء تخطيط مزمن، وغياب رؤية استراتيجية، وتفكك عربي جعل كل دولة تعمل وكأنها جزيرة معزولة. ورغم امتلاك العالم العربي مساحات زراعية شاسعة وموارد مائية محورية وثروات مالية هائلة، إلا أن الناتج الزراعي والصناعي لا يغطي حتى الاحتياجات الأساسية لمعظم الشعوب.

ثانيًا: من الاستقلال الغذائي إلى التبعية الشاملة

قبل عقود، كانت البيوت العربية نواة للاكتفاء الذاتي:

نخيل، لوز، زيتون، خضروات موسمية، مواشٍ ودواجن، حليب طازج، خبز منزلي، وبيئة صحية أقرب إلى الثقافة الإنتاجية.

لكن في ظل سياسات الاستهلاك، وتفريغ الريف، وتهميش الزراعة، اختفت هذه المظاهر وأصبحت الشعوب العربية تنتظر ما يصلها عبر الموانئ والمطارات بدل التوجه نحو الأرض.

تراجع الإنتاج المحلي جعل الصحة العامة تتدهور، وزادت الأمراض المرتبطة بالأغذية المصنّعة والمستوردة. وفي المقابل، تقلصت فرص العمل في القطاعات المنتجة، ما أدى إلى توسع البطالة وارتفاع معدلات الفقر.

ثالثًا: الأبعاد السياسية للتبعية الاقتصادية

التاريخ الحديث أثبت أن الأمن الاقتصادي شرط للقرار السياسي السيادي. وكلما ازداد اعتماد العرب على الخارج في غذائهم ودوائهم وطاقة إنتاجهم، كلما أصبحت خياراتهم السياسية ضيقة وخاضعة للإملاءات.

ومع موجة التطبيع الأخيرة، تحوّلت بعض الأسواق العربية إلى حدائق خلفية للمنتجات الإسرائيلية، ما خلق علاقة تبعية اقتصادية خطيرة. الاحتلال الذي يحاصر الفلسطينيين ويمارس التمييز والاستيطان أصبح اليوم يصدّر منتجاته إلى أسواق عربية، في مفارقة صارخة بين الخطاب الرسمي وواقع التجارة.

هذا التطبيع الاقتصادي لا يقتصر على السلع، بل يشمل التقنيات الزراعية والمياه والطاقة، ما يجعل التأثير الإسرائيلي أعمق وأكثر قدرة على الضغط على القرار العربي.

رابعًا: العوامل الاقتصادية الداخلية التي كرّست التراجع

لا يمكن فهم الأزمة دون النظر إلى البنية الاقتصادية الداخلية للدول العربية:

  1. الفساد المالي والإداري الذي يستنزف الموازنات العامة ويعرقل التنمية.
  2. ضعف التشريعات الاقتصادية التي لا تحمي المنتج المحلي ولا تجذب الاستثمار.
  3. منظومات تعليمية غير متوافقة مع احتياجات السوق، ما أدى إلى تفاقم البطالة بين الشباب.
  4. اعتماد مفرط على قطاع الخدمات مقابل تراجع الزراعة والصناعة.
  5. انعدام التكامل الاقتصادي بين الدول العربية، إذ تكرر كل دولة نفس المشاريع بدل توزيع الأدوار لبناء اقتصاد عربي موحد.

هذه العوامل مجتمعة عززت حالة الضعف، وأدت إلى أزمات اجتماعية خطيرة، أبرزها: ارتفاع نسب الفقر، هجرة الكفاءات، تفكك الطبقة الوسطى، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

خامسًا: الأمن الاجتماعي في ظل الاقتصاد الهش

اقتصاد غير منتج يعني مجتمع غير مستقر. وقد رأينا خلال السنوات الماضية أن الانفجارات الاجتماعية في عدة دول عربية لم تكن سوى نتيجة طبيعية لانسداد الأفق الاقتصادي.

حين يفقد المواطن فرص العمل، ويغيب الأمان الغذائي، ويستشري الفساد، تصبح الثورات مسألة وقت وليست خيارًا سياسيًا.

إن الاستقرار السياسي والاجتماعي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإنتاج المحلي، وبقدرة الدولة على توفير حياة كريمة لمواطنيها بعيدًا عن الارتهان للمساعدات والقروض المشروطة.

سادسًا: نحو مشروع قومي نهضوي يعيد للعرب وزنهم

لم تعد الحاجة إلى رؤية عربية مشتركة ترفًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية لحماية الوجود ذاته.

ويمكن تلخيص ملامح هذه الرؤية في النقاط الآتية:

  1. إطلاق مشروع عربي للأمن الغذائي يستند إلى استثمار الأراضي الزراعية في السودان والعراق وسوريا والمغرب وغيرها.
  2. إحياء الصناعة العربية عبر نقل التكنولوجيا، وإنشاء صناديق مالية مشتركة.
  3. بناء شبكة تكامل اقتصادي عربي تحوّل العالم العربي إلى سوق موحد بدل أسواق متفرقة.
  4. مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية كمقدمة لا بد منها لأي نهضة.
  5. تحصين القرار السياسي عبر الاستقلال الاقتصادي التدريجي عن الخارج.
  6. استنهاض الوعي القومي الذي يشكل العمود الفقري لأي مشروع نهضوي.
  7. دعم مشروع نادي القوميين العرب كإطار فكري وتنظيمي قادر على صياغة رؤية قومية تستجيب لتحديات العصر، وتعيد للأمة دورها ومكانتها.

خاتمة: النهضة تبدأ من الوعي

الأمة التي لا تزرع لا تستطيع أن تحصد مستقبلًا.

والأمة التي لا تصنع لا يمكن أن تحمي سيادتها.

لقد آن الأوان للخروج من دائرة الاستهلاك إلى فضاء الإنتاج، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن التشتت إلى الوحدة.

إن مشروع النهضة العربية ليس حلمًا شاعرًا كما قد يظن البعض، بل خيار استراتيجي، وشرط للبقاء، ومسار لاستعادة الكرامة والعزة. وما لم نمتلك الجرأة على إعادة صياغة واقعنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي، سيبقى الويل يلاحقنا كما حذّر جبران منذ قرن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com