صوتُ الباقين.. نص بقلم د. عبد الرحيم جاموس

نحنُ…
ظلالُ مدينةٍ تُطفِئُها الحرب،
أعمدةُ إنارةٍ مكسورة …
لا يريدُ أحدٌ إضاءتَها…

نحنُ…
الباقونَ تحتَ الركام،
لا نملكُ خيمةً،
ولا اسماً …
يظهرُ في سجلاتِ الحياة…

نحنُ…
أهلُ الماءِ المؤجَّل،
أطفالُ المدارسِ المغلقة،
وآباءُ الأحلامِ الممنوعة….

نحنُ…
مرآةُ الحقيقةِ التي تخشاها…
جماعاتٌ تُطعمُكَ …
حينَ يصفو مزاجُها،
وتسرقُ صوتَكَ …
إن نطقتَ بالكرامة…

نحنُ…
لسنا انتصارًا،
ولا صورةً مُعلَّبة …
نحنُ الجرحُ …
الذي لا يصلحُ …
لمعاركَ الوهم …

فلا تسمّوا موتَنا …
مجدًا،
ولا جراحَنا …
رايات …
فنحنُ الحقيقةُ التي …
لم تستطيعوا …
دفنَها …
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض 30/11/2025

هذه القصيدة النثرية للدكتور عبد الرحيم جاموس تحمل شحنة عاطفية وإنسانية عميقة.
إليك قراءة أدبية تحليلية، تركز على لغة النص، صوره الفنية، ودلالاته الرئيسية:

🕊️ قراءة في “صوتُ الباقين”:

صرخة من تحت الركام
نصّ “صوتُ الباقين” للدكتور عبد الرحيم جاموس ليس مجرد قصيدة نثر، بل هو وثيقة وجودية، وبيانٌ شعريٌّ مكثّف يُطلق صرخة المنسيين والمقهورين الذين تُركوا في هامش الحكايات الكبرى. ينسج الشاعر من لغة عربية فصحى آسرة، ذات جرسٍ حزين وإيقاعٍ تكراري، لوحةً بانورامية لواقعٍ مُهَشَّم، مُستخدماً أسلوب التوكيد عبر الضمير “نحنُ” ليجعل من صوت الشاعر صوتاً جمعياً، يمثل ضحايا الصراعات.

🧱 الصورة الفنية ودلالات الهشاشة

يستهلّ النص سلسلة من الاستعارات الصادمة التي تجسّد حالة الغياب والحرمان. “نحنُ… ظلالُ مدينةٍ تُطفِئُها الحرب” تُحوّل الإنسان إلى كيان غير مادي، مجرد ظلٍ لمدينة ميتة، في صورة معكوسة لتعبير “مدينة الظلال” حيث الظلال كثيفة، هنا هي من تطفئها. ثم تأتي صورة “أعمدةُ إنارةٍ مكسورة … لا يريدُ أحدٌ إضاءتَها”، لتمثل الإهمال المُتعمَّد وغياب الأمل المُهداة، فالنور مكسور والإرادة في إصلاحه مُعدومة.
يزداد المشهد قسوةً في المقطع الثاني: “الباقونَ تحتَ الركام، لا نملكُ خيمةً، ولا اسماً”. هنا يتحوّل “البقاء” من دلالة الصمود إلى دلالة العزلة المأساوية. فقدان “الاسم” في “سجلاتِ الحياة” هو أقصى درجات الإلغاء، إذ ينفي عنهم حتى الحق في الذكر أو الإحصاء.

💧 أهلُ الماءِ المؤجَّل.. نفيٌ للكرامة الإنسانية

تأخذ الاستعارات منحى أكثر عمقاً في المقطع الثالث، حيث يُطلق عليهم “أهلُ الماءِ المؤجَّل”. الماء، رمز الحياة والبقاء، يصبح مؤجلاً، أي حق الحياة ذاته موضوعٌ للانتظار والمنّة. يربط الشاعر مصيرهم بمصير الجيل القادم: “أطفالُ المدارسِ المغلقة، وآباءُ الأحلامِ الممنوعة”، مُشيراً إلى أن التدمير لا يطال الحاضر فحسب، بل يمتد ليُصادر مستقبل الأطفال ويُجهض آمال الكبار.

⚔️ رفضُ التوظيف السياسي للجراح

يبلغ النص ذروته في مقارعة الخطاب السياسي الزائف. يصفهم الشاعر بأنهم “مرآةُ الحقيقةِ التي تخشاها” سلطة “جماعاتٌ تُطعمُكَ… وتسرقُ صوتَكَ”. هذه الثنائية الحادة بين الإطعام (المنّة/الاستجداء) وسرقة الصوت (مصادرة الكرامة) تُلخّص جوهر العلاقة بين القوي والضعيف في زمن الصراعات.
لكن الصرخة الأقوى تكمن في الرفض القاطع لتنميط المأساة: “نحنُ الجرحُ … الذي لا يصلحُ … لمعاركَ الوهم”. هذا الاعتراف الموجع هو إعلان براءة من أن يكون هذا الألم الإنساني مادةً خاماً لشعارات الانتصار أو الهزيمة الوهمية. ولهذا تأتي المناشدة الأخيرة كحكمٍ فاصل: “فلا تسمّوا موتَنا … مجدًا، ولا جراحَنا … رايات”.
إنّ “صوتُ الباقين” هو نشيد مضاد يرفض تحويل التضحية إلى أسطورة مضللة، مؤكداً أنهم ليسوا سوى “الحقيقةُ التي لم تستطيعوا دفنَها”. هو نصٌ يمتلك القوة والصدق، ويُعيد الاعتبار للإنسان الفرد في مواجهة طغيان السرديات الكبرى.

✒️د.عادل جوده /العراق /كركوك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com