قراءة في ثورة شعبية عظيمة وصراع دون تقديس ولا تشويه.. موسى عزوڨ

” اول ما تلتهم الثورة أطفالها.” الصحفي جاك ماليه دو بان.سنة1793.ثم رددها الثوري جورج دانتون قبل إعدامه بالمقصلة عام 1794، بعد أن انقلب عليه رفيقه ماكسيميليان روبسبيير. “وحتى أنت يا بروتس ؟الصدمة والخيبة من خيانة صديق مقرب. تُنسب هذه العبارة إلى يوليوس قيصر في مسرحية شكسبير “يوليوس قيصر”، حيث قالها عندما رأى صديقه ماركوس بروتس يساهم في قتله.

المقدمة :

نضجت ثورة التحرير الوطني (1954-1962) واستعادت الجزائر حريتها واستقلالها. وكانت ثورة مشهودة عظيمة نتيجة تراكمات من المقاومات الشعبية والحركة الوطنية ، دروس وعبر ، لم تكن مجرد حرب ضد الاستدمار الفرنسي ، بل كانت صراعاً متعددا ،حيث فجرها فتية امنوا بربهم وزادهم الله هدى واخذت صورة تذكارية لستة منهم ، و شعب قاتل وساند في سبيل الله من أجل الحرية، في مقابل قوة استعمارية تستخدم كل أدواتها العسكرية والمخابراتية للقضاء عليه. لكن وككل ثورة بل كل تجمع يهلكه الصراع على حب التملك والتسلط فيصيب الفتية فتنة السلطة ولهذا كان الرسول عليه السلام يخشى على الصحابة الدنيا ان تبسط عليهم فتنافسوها فتهلكهم .وهكذا كان بذور الصراع منذ السنوات الأولى رغم استبعاد فكرة الزعيم وتبني القيادة الجماعية ، فأكلت الثورة أبناءها قبل أن تستعيد الجزائر استقلالها وبعده بسنوات طويلة. فكانت التصفيات بين الاخوة كثيرة ، ولم تكن يوما جهوية أو قبلية ( حيث قتل كريم لقبايلي البربري الامازيغي عبان لقبايلي ونفس الشيء مع الشاوي والعربي والترقي). كانت صراعاً على من يملك الدولة ويحتكر سرديتها التاريخية. هذه الحقيقة لا تُنقص من عظمة التضحية الشعبية، بل تُبرزها أكثر: شعب انتصر فعلا .

.     تنبع الاشكالية الاساسية من سؤال رئيس : من  يحاول الاستلاء على الذاكرة ؟ وتساؤلات حول الثورات والنخبة. وكيف تحولت المخابرات من حماية الثورة إلى حماية السلطة. مع الصراع على السردية التاريخية . ومن نافلة القول ان الوصول الى حل هذه الاشكالية يمر بقاعدة مفاهيم يجب ان تكون صلبة وواضحة توصلنا الى قناعة بان الشعب وحده هو من يملك الواجب و الحق في معرفة كل الحقيقة، بلا تقديس ولا تشويه، لأن الحرية التي ناضل من أجلها لا تكتمل إلا بحرية القول والذاكرة.

رغم صعوبة اتخاذ القرار الا انه من المناسب افتراض حلول . وضرورة معرفة التاريخ الحقيقي ، بعيدا عن التخوين ،بعيدا عن الإساءة لا للرموز ولا لغيرهم . ولا شك ان الموضوع يكتسي أهمية كبيرة .

دعني أدعي انني استعملت المنهج التاريخي والاستدلالي والجدلي عند البحث اولا عن الجذور التاريخية. كما اخذت بعين الاعتبار ادوات المنهج الوصفي في الإطار المفاهيمي ، دون الاستغناء عن المنهج التحليلي. بهدف واضح هو الوصول الى الاجابة على الاشكالية الاساسية حول الحرية والحق في الذاكرة. ورغم قلة الدراسات السابقة ،الا انني حاولت الاطلاع على كل ما توصلت اليه

فتناولت الموضوع وفق خطة حاولت جعلها متوازنة قدر الامكان، في فصلين، الفصل الاول خصصته للثورة وفرنسا ، والذي بدوره قسم الى مبحثين، فكان المبحث الاول الاطار المفاهيمي وكان المبحث الثاني عن جذور مقاومة فرنسا . اما الفصل الثاني فكان عن الثورة والثوار . والذي قسمناه بدوره الى مبحثين: في المبحث الاول  : عن الثورة والثوار. والمبحث الثاني  : قضية الذاكرة والأرشيف

الفصل الأول: الثورة وفرنسا :

المبحث الأول :  الاطار المفاهيمي

الثورة الجزائرية هي ثورة تحرير قام بها الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي، بدأت في 1 نوفمبر 1954 وانتهت في 5 يوليو 1962. كانت الثورة الجزائرية حركة تحرر وطني تهدف إلى استعادة السيادة الوطنية والاستقلال عن فرنسا.من اهم أسبابها  الاحتلال الفرنسي الاستطاني الاستغلالي والتهميش والاضطهاد الثقافي: محاولات فرنسا لطمس الهوية الثقافية الجزائرية.من أهداف الثورة المعلنة في بيان اول نوفمبر إقامة دولة ديمقراطية في حدود الشريعة الإسلامية ، يقسمها البعض الى ثلاث مراحل .(1954-1956).و (1956-1958)و(1958-1962).

المادة  148 مكرر1 تتحدث عن :” كل من يمس بشرف أو اعتبار الآخرين عبر كلمات أو كتابات منشورة بأي وسيلة”. المادة 333 مكرر 6  تتحدث عن :” العقوبات الإضافية للإهانة، التهديد، أو التشهير، خاصة في سياق الجرائم الإلكترونية. “المادة 196 مكرر .تتعلق بانتهاك الخصوصية أو نشر معلومات كاذبة عبر الإنترنت.المادة 42 .تتعلق بالمشاركة في الجريمة  : ” يُعتبرون مشاركين من يساعدون أو يحرضون على الجريمة”.اما بخصوص إجراءات المثول الفوري وفقًا لقانون الإجراءات الجنائية تنص عليه المادة 478 وما بعدها ، وهو إجراء سريع للجنح الواضحة دون حاجة لتحقيق معقد. يُدفع المتهم أمام النائب العام مباشرة، ويمكن تأجيل الجلسة (كما هنا إلى 4 ديسمبر 2025) لإعداد الدفاع. الشروط: حضور محامٍ، ولا يُطبق إلا على جرائم بسيطة.  واما الحبس المؤقت . ووفقًا للمادة 123 وما بعدها (معدلة في 2025)، هو إجراء استثنائي يُطبق فقط لمنع الهروب أو التأثير على التحقيق، أو إذا كانت الجريمة تهدد الأمن العام.

المحبث الثاني : عن جذور مقاومة فرنسا

فرنسا تحاول القضاء على الثورة منذ الأيام الأولى، أدركت فرنسا أنها تواجه ثورة مختلفة، فالموازاة مع الحرب الكلاسيكية كانت الحرب النفسية و المخابراتية شاملة. ومتعدد على النخب والاستشراق والتهجين وحتى عسكريا وفي الميدان كمحاولات الاختراق المتعددة وشراء الذمم بالجزرة ان لم تنفع فبالعصا : هكذا مثلا كانت عملية العصفور الأزرق (Opération Oiseau Bleu 1957-1958): التي ابدع الثوار في الاستفادة منها كخطة مضادة ! فتمت الاستفادة بالسلاح والمال. وهكذا أيضا ما سمي ” ضباط فرنسا” : عبر ضباط جزائريين في الجيش الفرنسي، حيث خُدع كريم بلقاسم الذي أدخلهم إلى جيش التحرير الوطني للتدريب المزعوم ولم تقم اي معركة تذكر لا منهم ولا من الذين دربوهم حتى ان خط المجرمين شارل وموريس كان يفتح ! بالاتفاق ، ثم استمر بومدين في الاعتماد عليهم بعد الاستقلال. خالد نزار نفسه اعترف لاحقاً في مذكراته: «أنا لم أقم بثورة، بل التحقت بجيش التحرير في 1958 وكنت ضابطاً في الجيش الفرنسي قبل ذلك».. وهكذا أيضا مؤتمر الصومام ( 20 اوت 1956).  يشكك في هروب البغلة بالوثائق الى الثكنة الفرنسية ( حيث ان هذه الدابة ” الزايلة” مرت بالقرب من الثكنة التي دربت فيها قبل ان يستولي عليها الثوار فهربت اليها لتأكل ) . كذلك المخابرات الفرنسية اختطفت طائرة تقل خمسة من القادة التاريخيين . من المغرب إلى تونس، فاحتجزتهم حتى نهاية الحرب. ولا ننس معركة ملوزة (مايو 1958). الذي يعتبره البعض كمين فرنسي أوقع الولاية الثانية في كارثة، صُوِّر إعلامياً كانتصار فرنسي كبير. وان الثوار قاموا بمحزرة . وسياسة «العصا والجزرة» بعد استمالة العقيد سي محمد بلونيس () وتحويله إلى قوة مضادة للثورة،ثم اغتياله في 1959 عندما لم يعد مفيداً. يذكر أيضا انه بعد الصومام ، لم تحدث معارك كبرى داخل الجزائر! كل قائد كان يحاول الحفاظ على قوته ليكون هو الممثل في المفاوضات. حتى الخمسة المختطفون كادوا يفوّضون تونس والمغرب للتفاوض نيابة عنهم لولا ان تم سجنهم في فرنسا ، ويذكر بوتفليقة لاحقا ان بومدين ارسله ليقترح عليهم من يكون الرئيس ! بعد الاستقلال فرفض ايت احمد ( وصرح بذلك في فيديو ) وقبل أحمد بن بلة .

الفصل الثاني: الثورة تأكل الثوار  والذاكرة  :

المبحث الاول  : عن الثورة والثوار

بدأت التصفيات الداخلية التي استمرت أربعة عقود. فمثلا في سنة 1956: مصطفى بن بولعيد يُقتل براديو ملغم ، شكوك حول عاجل عجول. وفي 1957: علي لابوانت، الطفل عمار. عبان رمضان (خُنق في تطوان بالسيلان !« إيفوك» بعد استدراجه من تونس بتلغرامات وحركت فيه حب الزعامة بأنه احسن من يتفاوض مع الملك ! من بوصوف، بمشاركة كريم بلقاسم وبن طوبال). وفي 1959: عميروش وسي الحواس في كمين مشبوه. بعد الاستقلال: محمد خيضر (1967)، كريم بلقاسم (1976)، قاصدي مرباح (1993)، محمد بوضياف (1992)، وغيرهم. حيث انه من القادة التاريخيين ، لم يمت ميتة طبيعية في سريره إلا لخضر بن طوبال.

في نفس السياق يرى ولد قابلية أن 1 نوفمبر 1954 يمثل تتويجًا لفكرة المقاومة والتطلع إلى الحرية، تتويجًا للجهود السياسية منذ العشرينيات. يصف مصالي الحاج بـ”أب الحركة الوطنية”، لكنه أخطأ بدعمه للحركة الوطنية الجزائرية (MNA). أما عبد الحفيظ بوصوف فيعتبره  جزءًا من جيل الشباب الذي حوّل الاستقلال إلى هدف عملي، وMALG كان محاطًا بالسرية حتى أصبح “تابو”، وكان هناك ظلم تجاه بوصوف “المحرك للثورة”. يشرح أزمة ما بعد الاستقلال كتهميش لأعضاء الحكومة المؤقتة (GPRA) من قبل الذين تولوا السلطة. اتفاقيات إيفيان لم تُحترم، وبوصوف لم يوافق على التوجه بعد 1962، فاعتزل السياسة والعمل. كما وضح أن بومدين كان “صنيعة” بوصوف، الذي ضمه إلى فريقه رغم تحذيرات بن بلة منه، معتبرًا إياه مرسلًا من بوضياف كخديعة. بوصوف لم يرد أن يكون معارضًا بعد الاستقلال، فضل الانسحاب، لكنه أعلن دعمه لبومدين بعد انقلاب 1965. دور MALG كان تنفيذيًا لا سياسيًا: الأمن، جمع المعلومات، الاتصالات، شراء الأسلحة. يقول إن انقلاب 19 جوان 1965 كان متوقعًا ومرغوبًا من أعضاء MALG لإزاحة بن بلة “الطموح غير الناضج” ووصف بوتفليقة بالشيطان. العلاقات الجزائرية الفرنسية لم تكن صادقة، تسيطر عليها المصالح الاقتصادية واللوبيات ذات “العقلية الاستعمارية”. أما العلاقات المغربية، فهي “قطيعة تاريخية”، يلقي اللوم على القيادة المغربية، خاصة الملك الحسن الثاني الذي حاول الإضرار بالجزائر.

المبحث الثاني  : قضية الذاكرة والأرشيف

هناك ضرورة للمصارحة مع أنفسنا اولا في سياق إعادة كتابة تاريخ الثورة بعيدًا عن التقديس، فيبرز موضوع الذاكرة كمحك حقيقي للمصالحة مع الماضي. حيث تم انشاء اللجنة المشتركة للذاكرة الجزائرية الفرنسية في أوت 2022 خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الجزائر، بهدف “النظر معًا في الفترة التاريخية” من بداية الاستعمار في 1830 حتى استعادة الاستقلال في 1962 – ويسمونها “حربًا” لا “ثورة” في الخطاب الفرنسي. الذي اختار في رئاسة لجنته المؤرخ ” ليهودي” بنيامين ستورا، مع أعضاء مثل فلورانس أودوفيتز، جاك فريمو، جان جاك جوردي، وترامور كيمونور، وتصفها فرنسا بـ”المستقلة” رغم تركيزها على منظور تاريخي متنوع يدعو إلى الاعتراف بجرائم الاستعمار، كما أكد ستورا في تصريحاته في نوفمبر 2025، حيث رافع للاعتراف الرسمي الفرنسي بالجرائم الاستعمارية ليبنى مستقبل مشترك، مشيرًا إلى أن فرنسا يجب أن تتقبل “حقيقة ما هي عليه الجزائر”. أما الجانب الجزائري، فتكونت من خمسة مؤرخين: محمد القورصو، لحسن زغيدي، جمال يحياوي، عبد العزيز فيلالي، وإيدير حاشي، ويركز على استرجاع الأرشيف والرفات، مع اجتماعات بدأت عبر فيديو في أفريل، ثم في باريس في جوان، واجتماع في قسنطينة. ومع ذلك، مجمدة حاليًا بسبب خلافات سياسية، كما أكد ستورا في نوفمبر 2024، معتبرًا التجميد مؤقتًا، ومن المتوقع تقديم توصيات قبل صيف 2025. المقارنة تكشف فجوة: اللجنة الفرنسية متنوعة ومستقلة نسبيًا، تعتمد على أرشيف محفوظ ومنظم جيدًا، مما يسمح بمناقشات مفتوحة حول الجرائم الاستعمارية. أما لجنتنا، فهي تكافح مع أرشيف الثورة الذي وضعه الرئيس الراحل هواري بومدين في ثكنة عسكرية (أركول في وهران)، حيث نقل عشرات الشاحنات من الأرشيف من المغرب وليبيا إلى قواعد عسكرية، مما يحد من الوصول إليه ويجعله “ريعًا للذاكرة” كما وصف ماكرون في 2021، ريعًا يسيطر عليه النظام؟. هذا يؤكد ضرورة مصارحة أنفسنا: أرشيفهم محفوظ ومفتوح جزئيًا للنقاش، بينما أرشيفنا مخفي في ثكنات، مما يعيق المصالحة الحقيقية مع ماضينا ويمنع فهم الصراعات الداخلية. بدون فتح هذا الأرشيف، تبقى الذاكرة مشوهة، وتستمر الفتن حول الحقائق التاريخية.

كما يهاجم الأساتذة في التاريخ في الجزائر الجميع وانه لا يجب ان يتحدث في التاريخ الا المختص في التاريخ ” بل والمؤرخ ؟” . ولا يتحدث فيهم احد لا فيى الواقع ولا في المواقع . وهو ما لا نجده في أي دولة في العالم .

وحتى تعرف شجاعة “مالك بن نبي” وما قام به من نقد موضوعي لمؤتمر الصومام انظر اليوم حولك وتحسس كلماتك ، حيث ذكر تحديدا كيف ترك خط المجرمين شارل وموريس دون اي مقاومة ولم تحدث اي معركة بعده …..لكن خاصة إنشاء «المنطقة الخاصة» للعاصمة (ZAA) التي اعتبرها تجزئة غير مبررة، وبقي ضد فرحات عباس الاندماجي حتى وفاته، منذ تصريحه الشهير التي لم يتراجع عنها : «فرنسا هي وطني او وأنا » في 1936، فكتب له رسالة فخمة تُعَدّ من أجمل نصوص النقد السياسي في تاريخ الجزائر.

الخاتمة:

استعاد الشعب الجزائري استقلاله في 5 جويلية 1962 بدماء الشهداء، وبإرادة لم تهزمها أقوى جيوش أوروبا، ومن فتية آمنوا بربهم وفكرتهم وازدادوا هدى، لكن لكل شيء إذا ما تم نقصان، وكعادة الثورات والنخبة. تحولت الأسلحة من مواجهة الاستعمار إلى تصفية الرفاق، وتحولت المخابرات من حماية الثورة إلى حماية السلطة. اليوم، عندما يتم التضييق على ذكر حقائق، ندرك أن الصراع على السردية التاريخية لم ينته بعد. لكن التاريخ لا يُزوَّر إلى الأبد. الثورة الجزائرية تبقى عظيمة لأنها ثورة شعب، وليست ملكًا لأحد. والشعب وحده هو من يملك الحق في معرفة كل الحقيقة، بلا تقديس ولا تشويه، لأن الحرية التي ناضل من أجلها لا تكتمل إلا بحرية القول والذاكرة. وهذا يجيب على الإشكالية الرئيسية: نعم، هناك محاولات للاستلاء على الذاكرة، كما في المقارنة بين لجنة ستورا المتنوعة والمستقلة نسبيًا (تعتمد على أرشيف محفوظ) ولجنتنا (التي تكافح مع أرشيف مخفي )، مما يفرض مصارحة أنفسنا أولا وأخيرا ، ونتعاون دون اقصاء في بناء الوطن واحياء الذاكرة كما هي دون طمس لا افراط ولا تفريط لا تقديس ولا استهانة .ولا تشويه .

عزوق موسى محمد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com