نسأل الله بأن ينعم على هذه الأرض المقدسة بعدله وسلامه

تقترب الأعياد الميلادية المجيدة سواء كان هذا حسب التقويم الغربي في 25 ديسمبر او حسب التقويم الشرقي يوم 7 يناير .
تعددت التقاويم ولكن صاحب العيد واحد ورسالته واحدة وهي رسالة المحبة والاخوة والرحمة والإنسانية .
نحن المسيحيون أبناء هذه الديار المقدسة متمسكون بإيماننا المسيحي وسنبقى متشبثين بقيمنا المسيحية وعيد الميلاد يذكرنا بهذه القيم ويذكرنا أيضا ان فلسطين هي مهد المسيحية والتي منها انطلقت رسالة الايمان المسيحي الى مشارق الأرض ومغاربها .
المسيحيون في هذه الديار وبالرغم من كل الالام والمعاناة هم مطالبون في هذه الأوقات العصيبة والمعقدة ان يكونوا متشبثين بقيم ايمانهم ، فالمسيحية هي ايمان وروحانية وفكر واصالة وإنسانية ومحبة لا حدود لها تجاه كل انسان.
حافظوا على انتماءكم الوطني فنحن فلسطينيون وان كنا قلة في عددنا الا اننا لسنا اقلية ونرفض ان ينظر الينا وكأننا اقلية في وطننا .
نرفض أي خطاب يحرض على الكراهية ولا يحترم الاخر والأخر هو اخ بالنسبة الينا في الانتماء الإنساني حيث اننا ننتمي جميعا الى اسرة بشرية واحدة خلقها الله.
أقول للمسيحيين في هذه الديار كونوا مسيحيين حقيقيين ولا تتمسكوا بالقشور بل اهتموا اكثر بالجوهر وكما قال السيد في المسيح لتلاميذه في الكتاب المقدس “أبعد إلى العمق وألقوا شباكم للصيد” وتعني هذه الاية بأن ادخلوا الى عمق المسيحية ولا تتمسكوا بالقشور والتي لا أهمية لها .
عيشوا المحبة الحقيقية بعيدا عن التقوقع والطائفية والتطرف فالمسيحية لا تبشر بتقوقع وكراهية وطائفية بل تنادي بمحبة لا حدود لها .
احبوا بعضكم بعضا ، احبوا وطنكم لأن الوطن هو انتم وما قيمة الوطن بدون الانسان ، فليكن انتماءكم لوطنكم انتماءا قويا وفاعلا وكونوا ملحا وخميرة لهذه الأرض ، ولا تنجرفوا وتتأثروا بأي تيارات او أفكار مشبوهة تبث سموم الكراهية والعنصرية في مجتمعنا .
نحن مسيحيون ولكننا لسنا متطرفين فالكنيسة لا تريدنا ان نكون متطرفين بل تريدنا ان نكون ملتزمين بالايمان والحياة المسيحية في حياتنا .
وحتى اذا ما تعرضتم الى الإساءة والتطاول من أي جهة كانت فلا يجوز مواجهة الإساءة بالاساءة والشتيمة بالشتيمة بل تذكروا كلمات السيد وهو على الصليب ” يا ابتاه اغفر لهم لانهم لا يعرفون ماذا يفعلون ” .
والمسامحة في المسيحية ليست ضعفا بل هي قوة والرسل القديسين الذين بشروا بالمسيحية في العالم لم يبشروا بالقوة والتهديد والوعيد بل بشروا بالمحبة والسلام ولذلك انتشرت المسيحية في سائر اصقاع العالم .
المسيحي الحقيقي يجب ان يدرك بأن المسيحية لا تنظم علاقة الانسان مع خالقه فحسب بل تنظم حياة الانسان مع أخيه الانسان ، والذي قد يكون مسيحيا او غير ذلك ، وتنظم علاقة الانسان بوطنه فالانسان المؤمن يتفانى في خدمة مجتمعه ووطنه لان المسيحية تعلمنا الصدق والأمانة والاستقامة في كل تفاصيل حياتنا .
نسأل الله بأن ينعم على فلسطين الأرض المقدسة بعدله وسلامه وان يكون مع أهلنا في غزة وهم يتعرضون لمحنة غير مسبوقة في التاريخ البشري الحديث.
المطران عطا الله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس 17/12/2025



